تعيش إيران في هذه المرحلة الحرجة حالة من الازدواجية المصيرية في ظل حرب قاسية أعقبت موجة احتجاجات لم تتبخر دوافعها، بل تفاقمت بفعل الحرب.
فبينما تبدو السلطات كأنها أحكمت قبضتها الأمنية تزامناً مع هدوء عسكري نسبي على جبهاتها الخارجية، تشير القراءات العميقة للمجتمع الإيراني إلى نار تحت الرماد، أو ما يشير مراقبون إلى أنها مقدمات «انفجار صامت» غير مرئية، أو حالة من الهدوء التي تسبق العاصفة.
حيث يتراكم الغضب الشعبي بعيداً عن الشوارع المرتابة من صمت بلا يقين. لكن هذا الغضب يترسخ في وعي مجتمع يشعر بالعزلة والفقر والترهيب.
فالأزمة الاقتصادية في إيران لم تعد مجرد أرقام تحتويها التقارير الدورية، بل تحوّلت إلى محرك أساسي لمعارضة النظام والاحتجاجات المتكررة. كما أن التضخم الذي تجاوز حاجز الـ 50 %، وفقاً لمركز الإحصاء الرسمي الإيراني، لم يعد مجرد تحدٍ معيشي، بل انهيار كامل للقوة الشرائية للطبقة الوسطى والفقيرة على حد سواء.
ووفقاً لما نقلت تقارير عن مسؤولين إيرانيين قبيل الحرب، فإن ثمة قلق لدى النظام من أن يؤدي الانهيار الاقتصادي إلى جولات جديدة من الاحتجاجات، سيما وأن الاقتصاد الإيراني يعاني أصلاً من تصدعات بنيوية عميقة من النوع الذي عادة يسبق أي صراع داخلي.
معركة يومية
الانهيار في قيمة الريال الإيراني أمام الدولار في السوق الموازية جعل من تأمين الاحتياجات الأساسية معركة يومية للمواطن الإيراني، ما يعزز الرواية التي تقول إن النظام يقف فوق «فوهة بركان» اقتصادي تكفيه شرارة صغيرة لينفجر.
وليست دعوات رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إيجئي، للمحاكم بالإسراع في تنفيذ العقوبات، سوى محاولة لاحتواء أي حراك محتمل، إذ سارعت الأجهزة القضائية والأمنية إلى تبني سياسة «الضرب بيد من حديد»، وتلك لم تكن مجرد إجراءات قانونية، بل رسالة سياسية تهدف إلى بث الرعب في قلوب المعارضين والمتذمّرين الإيرانيين.
وبحسب التقرير المشترك الصادر عن منظمة «حقوق الإنسان في إيران» ومنظمة «معاً ضد عقوبة الإعدام»، فإن العام 2025 شهد تصعيداً مرعباً، حيث أعدمت السلطات الإيرانية ما لا يقل عن 1639 شخصاً خلال عام 2025، في وتيرة تهدف بوضوح إلى إخماد أي روح احتجاجية متبقية في قلب المجتمع.
العزلة الرقمية
وتتزامن هذه القبضة الأمنية مع سياسة «الإظلام الرقمي»، حيث تسعى السلطات إلى عزل المجتمع الإيراني عن العالم الخارجي وعن بعضه بعضاً. وهذا الانقطاع شبه الكامل ليس مجرد إجراء تقني، بل محاولة لفرض «رواية واحدة» هي رواية السلطة حول «الأمن والسيطرة»، بينما يشير الواقع إلى تزايد الإحساس بالحصار الداخلي والخارجي، ما يولد ضغطاً نفسياً واجتماعياً غير مسبوق.
فالنظام يواصل تشديد القبضة الأمنية رغم الهدنة، ومن خلال حجب الإنترنت لأكثر من ألف ساعة متواصلة يفرض ظلام معلوماتي لمنع التنظيم والتوثيق وقطع الطريق أمام نقل حقيقة ما يجري في الشارع والسجون، ولفت الأنظار بعيداً عن موجة الإعدامات كرسالة ترهيب استباقية للمجتمع.
ويرى مراقبون ومختصون في الشأن الإيراني أن إعلان هدنة الأسبوعين لا يمثل نهاية للصراع، بل هو «استراحة محارب» قسرية للنظام. لكن التهديد الأخطر لم يعد يأتي من وراء الحدود، بل من داخل الأحياء التي تعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة والقمع.
استقرار هش
أما الاستقرار الذي تروّج له السلطة فهو استقرار هش، يصفه بعض المعارضين بأنه نار تحت الرماد، حيث لم تعد الصفقات العابرة أو الهدنات المؤقتة كافية لترميم شرعية متآكلة بفعل عقود من القمع الاقتصادي والسياسي.
وينقل موقع «سكاي نيوز عربية» عن معارضين إيرانيين قولهم إن المؤشرات الميدانية واستمرار حالة الاستنفار الأمني داخل طهران تؤكد عمق انعدام الثقة، وتُظهر أن النظام يعيش مرحلة انتقالية هشة ومرتبكة، إذ أن الهدنة في الخارج لا تُنتج تهدئة في الداخل، لأن النظام يعرف أن توقف دخان الحرب يسحب منه ذريعة القمع ويعيد الشارع إلى واجهة المعادلة.
هذه المشهدية من الغليان، تعني أن إيران اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، فالاستقرار المستدام لا يمكن أن يتحقق عبر «القبضة الأمنية» أو «العزلة الرقمية». وكما تشير تقديرات الخبراء، فإن الطريق الوحيد لتفادي الانفجار الكبير يكمن في إنهاء سياسات الحكم القائمة على الترهيب، وفتح مسارات ديمقراطية تعبر عن إرادة الشعب، قبل أن تخرج النار من تحت الرماد وتتحول إلى حريق لا يمكن إطفاؤه.
