في ظل واقع دولي تتراجع فيه كفاءة الممرات البحرية التقليدية أمام تحديات الأمن والاستقرار، تبرز «جغرافيا المخاطر» كمحدد رئيسي لمستقبل التجارة الدولية.
فالاضطرابات المستمرة في مضيق هرمز لم ترفع كلفة الشحن فحسب، بل دفعت إلى إعادة هندسة مسارات التجارة العالمية، وهو ما أثبتته أيضاً نزاعات عسكرية مثل الحرب الروسية-الأوكرانية.
لم تعد الممرات المائية الاستراتيجية مجرد خطوط عبور للتجارة والطاقة، بل تحولت إلى ساحات صراع تتقاطع عندها المصالح الاقتصادية والعسكرية للقوى الكبرى.
من مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية، إلى باب المندب الذي يشكل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وقناة السويس، مروراً بمضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي ومضائق البحر الأسود، أصبحت هذه الشرايين البحرية في قلب المنافسة الجيوسياسية العالمية.
فقد شهدت الأشهر الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في المخاطر المرتبطة بالملاحة البحرية في الشرق الأوسط.
ويبرز مضيق هرمز باعتباره أهم ممر للطاقة في العالم، إذ يمر عبره نحو خمس الاستهلاك العالمي اليومي من النفط، إلى جانب كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال.
وقد أدت التهديدات الأمنية والتوترات العسكرية في المنطقة إلى زيادة المخاطر التشغيلية ورفع كلفة النقل والتأمين. أما باب المندب والبحر الأحمر، فيمثلان حلقة الوصل بين المحيط الهندي وقناة السويس والبحر المتوسط، ما يجعلهما من أكثر الممرات البحرية حساسية.
وأدى استهداف السفن التجارية والتصعيد العسكري في محيط الساحل اليمني إلى اضطراب حركة الشحن العالمية، ودفع العديد من الشركات إلى تغيير مساراتها البحرية بعيداً عن المنطقة.
وانعكس هذا المشهد على الاقتصاد العالمي عبر مسارات عدة، أبرزها ارتفاع أسعار الطاقة مع كل تصعيد أمني، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، فضلاً عن اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وتأخير وصول البضائع والمواد الخام، الأمر الذي يضيف ضغوطاً جديدة على جهود مكافحة التضخم في العديد من الاقتصادات الكبرى.
ويرى خبراء أن خطورة الأزمة لا تكمن فقط في احتمال إغلاق هذه الممرات، بل في حالة عدم اليقين التي تفرضها التهديدات المستمرة، حيث تتفاعل الأسواق العالمية مع احتمالات الخطر قبل وقوعه، ما يجعل مجرد التهديد كافياً لإحداث تأثيرات اقتصادية واسعة.
ويجمع المراقبون على أن المضايق البحرية لم تعد مجرد ممرات جغرافية، بل تحولت إلى أوراق نفوذ استراتيجية تؤثر بصورة مباشرة في الاقتصاد والسياسة والأمن العالمي.
سيطرة على خطوط الإمداد
فهذه الممرات تمثل شرايين الاقتصاد العالمي، ومن يمتلك القدرة على التأثير فيها يمتلك أوراق قوة سياسية واقتصادية بالغة الأهمية.
ويضيف أن ما يجري في أوروبا الشرقية والبحر الأسود، كما في بحر الصين الجنوبي والشرق الأوسط، يعكس احتدام المنافسة بين القوى الكبرى على إعادة تشكيل النظام الدولي.
ويرى أن العالم يتجه نحو مرحلة طويلة من إعادة توزيع مناطق النفوذ، ستكون فيها الممرات البحرية أحد أبرز ميادين الصراع.
ويؤكد دويدار أن التنافس العالمي لم يعد يقتصر على الجغرافيا السياسية التقليدية، بل امتد إلى مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، إلا أن السيطرة على طرق التجارة الدولية ستظل أحد المرتكزات الأساسية للقوة والنفوذ في العقود المقبلة.
من جانبه، يرى الدكتور رامي زهدي، نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، أن الممرات المائية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، تمر بمرحلة غير مسبوقة من التوترات الأمنية، ما يجعلها واحدة من أخطر بؤر الاضطراب الجيوسياسي في العالم.
ويشير إلى أن هذه الممرات تحولت من مجرد خطوط للملاحة والتجارة إلى أدوات ضغط استراتيجية تستخدم في إدارة الصراعات الإقليمية والدولية، الأمر الذي يضاعف من حساسيتها وتأثيرها على الاقتصاد العالمي.
ويؤكد زهدي أن خطورة الوضع الحالي لا تتعلق فقط بإمكانية الإغلاق الكامل لهذه المضائق، بل بحالة القلق وعدم اليقين التي تفرضها التهديدات المستمرة.
فأسواق الطاقة والنقل البحري تتفاعل مع احتمالات الخطر فوراً، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة تكاليف الشحن والتأمين وإرباك حركة التجارة العالمية.
ويلفت إلى أن البحر الأحمر وباب المندب يمثلان شرياناً حيوياً لقناة السويس التي تمر عبرها نسبة مهمة من التجارة الدولية، فيما ينقل مضيق هرمز نحو خمس إمدادات النفط العالمية.
ويحذر من أن أي اضطراب متزامن في هذه الممرات ستكون له تداعيات واسعة على أسعار الغذاء والطاقة ومعدلات التضخم حول العالم.
كما يرى أن الدول الأفريقية، خصوصاً في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، ستكون من بين الأكثر تضرراً من استمرار الاضطرابات، نتيجة تأثر حركة التجارة والاستثمارات وسلاسل التوريد.
ويشدد زهدي على ضرورة بناء منظومة إقليمية ودولية أكثر فاعلية لحماية أمن الممرات البحرية وضمان حرية الملاحة، مع تعزيز التعاون العربي والأفريقي لمواجهة التحديات المتزايدة.
كما يبرز أهمية الدور المصري في تأمين البحر الأحمر وقناة السويس والحفاظ على استقرار أحد أهم الممرات البحرية في العالم.