قمة «الناتو» في أنقرة.. محطة حاسمة لمستقبل الحلف

شخصان يسيران باتجاه المركز الإعلامي داخل مجمع القصر الرئاسي عشية قمة الناتو
شخصان يسيران باتجاه المركز الإعلامي داخل مجمع القصر الرئاسي عشية قمة الناتو

في توقيت يصفه مراقبون دوليون بأنه الأكثر حساسية في تاريخ الحلف الممتد منذ عام 1949، تستعد العاصمة التركية أنقرة لاستضافة القمة الـ36 لقادة حلف شمال الأطلسي «الناتو»، اليوم وغداً وسط متغيرات جيوسياسية متسارعة، ليس أقلها تصاعد التوتر عبر ضفتي الأطلسي بشأن تقاسم الأعباء الدفاعية.

والمطالب الأمريكية بزيادة الإنفاق العسكري، إلى جانب تداعيات الصراعات الإقليمية الممتدة من أوكرانيا إلى أزمة «حرب إيران» وتأثيراتها على أمن الممرات البحرية.

القمة ليست مجرد اجتماع دوري لحلف عسكري اعتاد مراجعة خططه الدفاعية وتوزيع أعبائه المالية؛ إنها أول اختبار سياسي واستراتيجي للحلف بعد الحرب الأمريكية – الإيرانية.

وتنعقد القمة الحالية في ظل حالة من عدم اليقين داخل الناتو، أدى إليها انتقاد الرئيس الأمريكي المتكرر للحلف، إلى جانب إعلانه سحب قوات من أوروبا وإجراء مراجعة مدة ستة أشهر للوجود العسكري الأمريكي في القارة. لكن هناك محاولة لرص الصفوف واسترضاء ترامب سيما بعد تصريحات لقادة الناتو أن مشاركة ترامب في القمة مهمة لاستقرار التحالف.

فيما تشهد القمة حضوراً بارزاً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث سيلتقي نظيره الأوكراني في إطار مساعيه لإحراز تسوية في الملف الأوكراني،. حيث أكد أن نهاية حرب أوكرانيا أقرب مما يتصوره الناس.كما سيلتقي عدداً من الزعماء للعمل على تثبيت أجندته داخل الحلف.

أجرى المستشار الألماني فريدريش ميرتس اتصالاً هاتفياً بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، أوضح له خلاله الزيادة التي شهدها الإنفاق الدفاعي الألماني خلال الأشهر الماضية. .وتعتزم ألمانيا بلوغ هدف إنفاق 5% بحلول عام 2029.

وبحسب مصادر حكومية ألمانية، زاد الحلفاء الأوروبيون وحدهم إنفاقهم الدفاعي بأكثر من 100 مليار يورو خلال الاثني عشر شهراً الماضية، فيما رفعت ألمانيا إنفاقها الدفاعي بنحو 25 مليار يورو ليصل إلى 124 مليار ي

وتُعد القمة محطة مهمة في مسار الناتو، إذ يُنتظر أن يناقش القادة عدداً من الملفات الاستراتيجية، من بينها تعزيز منظومة الدفاع الجماعي، ورفع جاهزية قوات الحلف، وتقاسم الأعباء الدفاعية بين الدول الأعضاء، وتطوير الصناعات الدفاعية، فضلاً عن مواصلة دعم أوكرانيا وتعزيز التعاون في مواجهة التهديدات السيبرانية والهجينة، والعمل على حل قضية هرمز.

وكان ترامب قد وجّه مراراً انتقادات إلى الحلفاء الأوروبيين بسبب موقفهم من الحرب في إيران، بعدما فرضت عدة دول قيوداً على استخدام الولايات المتحدة لقواعدها العسكرية خلال العمليات.

اختبار مزدوج

وعلى صعيد التداعيات السياسية، يضع هذا التوجه الحلف أمام اختبار مزدوج، فمن جهة، يسعى الأمين العام للناتو، مارك روته، للحفاظ على تماسك الحلف وتوحيد الرؤى وسط انتقادات حادة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن التباينات في الإنفاق الدفاعي.

ومن جهة أخرى، يرى خبراء أن تبني خيار الاستنزاف قد يقلص فرص التسوية السياسية للأزمة الأوكرانية، إذ بات الحلف يربط أمن القارة الأوروبية بتحويل كييف إلى خط دفاع متقدم في مواجهة الهيمنة الروسية.

غير أن مخرجات قمة أنقرة، التي ستجمع قادة 32 دولة، لن تقتصر على الملف الأوكراني فحسب، بل ستسعى لترسيخ شبكة أمن ودفاع تمتد من الأراضي الأمريكية إلى تركيا، كجزء من إعادة هندسة التوازنات الإقليمية.

ومع ترقب النتائج، يبدو أن أوروبا مقبلة على مرحلة من «الاستنفار الاستراتيجي الدائم»، حيث باتت التحديات الأمنية -التي تشمل أمن الطاقة، والحروب الهجينة، والتنسيق مع الشركاء في آسيا والمحيط الهادئ- جزءاً لا يتجزأ من بقاء الحلف وقدرته على التأثير في صراع الإرادات الدولي.

تهديد طويل الأمد

وتشير مسودات بيان القمة المسربة إلى حد الآن إلى توجه الحلف لاعتبار روسيا «تهديداً طويل الأمد» للأمن الأوروبي-الأطلسي، وهو توصيف يعكس تحولاً جذرياً في العقيدة الدفاعية للحلف من سياسات الردع التقليدي إلى استراتيجية احتواء واستنزاف مدروسة لموسكو.

وفي هذا الإطار، يتجه الحلف لإقرار حزمة مساعدات عسكرية لأوكرانيا بقيمة 70 مليار يورو تغطي عامي 2026 و2027، مع ضمانات بمستويات دعم مماثلة لاحقاً.

ويرى محللون استراتيجيون أن هذا الالتزام المالي واللوجستي الضخم يتجاوز مجرد الدعم العسكري الطارئ، ليصبح «استثماراً استراتيجياً» يهدف إلى تقييد الهامش المناوراتي الروسي وإطالة أمد الصراع بما ينهك قدرات موسكو الاقتصادية والعسكرية.

تحول استراتيجي

إلى ذلك، يؤكد رامي زهدي، نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات الإستراتيجية، أن الاتجاه الذي يبرز في قمة الناتو السادسة والثلاثين نحو ترسيخ توصيف روسيا باعتبارها تهديداً طويل الأمد، بالتوازي مع بحث تخصيص نحو 70 مليار يورو لدعم أوكرانيا خلال عامي 2026 و2027، يعكس تحولاً استراتيجياً يتجاوز مفهوم الردع التقليدي إلى بناء سياسة احتواء واستنزاف ممتدة.

مضيفاً أن الحلف لم يعد يركز فقط على منع توسع العمليات العسكرية، بل يعمل على إطالة قدرة كييف على الصمود، بما يفرض على موسكو كلفة عسكرية واقتصادية وسياسية متزايدة.

ويتابع بأن هذه المقاربة تحمل تداعيات معقدة على الأمن الأوروبي، فمن جهة، تعزز تماسك الحلف وترفع جاهزية دوله الدفاعية، لكنها من جهة أخرى تكرس حالة المواجهة طويلة الأمد مع روسيا، بما يزيد احتمالات سباقات التسلح، ويعمق الانقسام الجيوسياسي في القارة، ويؤخر فرص بناء منظومة أمنية أوروبية مستقرة.

أما على صعيد التسوية السياسية، فيؤكد زهدي أن استمرار التدفقات المالية والعسكرية الضخمة قد يمنح أوكرانيا أوراق تفاوض أقوى مستقبلاً، لكنه في الوقت ذاته قد يدفع موسكو إلى التشدد ورفض تقديم تنازلات تحت ضغط الاستنزاف.

ومن ثم، فإن فرص الحل السياسي ستظل رهينة بقدرة الأطراف الدولية على إيجاد توازن بين استمرار الدعم العسكري وفتح مسار تفاوضي جاد يراعي المصالح الأمنية لجميع الأطراف، لأن الحروب الطويلة نادراً ما تنتهي بحسم عسكري خالص.

توتر

بينما يرى أستاذ العلاقات الدولية ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، د. ديميتري بريجع، أن العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي تمر بمرحلة غير مسبوقة من التوتر.

لافتاً إلى أن بروكسل باتت تنظر إلى موسكو باعتبارها خصماً استراتيجياً، في ظل تداعيات الحرب الأوكرانية وتنامي الخلافات حول ملفات الأمن الأوروبي وجنوب القوقاز.

ويقول إن روسيا بدورها تبعث برسائل واضحة إلى الدول الأوروبية مفادها أنها مستعدة للتعامل مع مختلف سيناريوهات التصعيد، خاصة تجاه الدول التي انضمت حديثاً إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتي تعتبرها موسكو جزءاً من التهديدات المباشرة لأمنها القومي.

ويوضح أن التنافس الروسي – الأوروبي لم يعد مقتصراً على الساحة الأوكرانية، بل امتد إلى منطقة جنوب القوقاز، حيث يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز نفوذه في أرمينيا، وهو ما تجلى في دعمه للحكومة الأرمينية بقيادة نيكول باشينيان، ضمن مساعٍ أوروبية أوسع لتعزيز الحضور السياسي والأمني في محيط روسيا المباشر.

ويؤكد أن أنقرة باتت لاعباً محورياً بحكم علاقاتها مع موسكو من جهة، وعضويتها الفاعلة في الناتو من جهة أخرى، فضلاً عن مساهمتها في دعم أوكرانيا بالأسلحة والتقنيات العسكرية المتطورة، بما في ذلك التعاون في مجال الطائرات المسيّرة.

ويضيف أن أي تسوية مستدامة للأزمة الأوكرانية ستظل مرتبطة بتقديم ضمانات أمنية متبادلة بين روسيا والدول الأوروبية، إضافة إلى معالجة الملفات العالقة، وعلى رأسها قضية الأصول الروسية المجمدة لدى الغرب.

كما يلفت إلى أن الاتحاد الأوروبي يشهد تحولاً تدريجياً من تكتل اقتصادي وسياسي إلى كيان ذي طابع أمني وعسكري متزايد، مدفوعاً بارتفاع الإنفاق الدفاعي منذ عام 2022، الأمر الذي يزيد من حدة التنافس مع موسكو ويعقد فرص التقارب في المدى المنظور.