خلال حرب إيران، تداولت تقارير إعلامية أمريكية ودولية أن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، هو المسؤول الأكثر معارضة للحرب مع التزامه في الوقت نفسه بقرار الرئيس ترامب فيما يتخذه من خيارات. فانس نفسه لم ينكر موقفه من الحرب، لذلك حين شكل الإيرانيون فريقهم التفاوضي كانوا قد قرؤوا "السيرة السياسية" للمسؤولين الأمريكيين، وأصروا على أنهم يفضلون فانس مفاوضاً عن الجانب الأمريكي. لكن ما حدا بعد 21 ساعة من المفاوضات في إسلام أباد هو أن فانس ربما أصبح مؤيداً لطريقة ترامب ونتانياهو في التعامل مع إيران.
ونشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريراً مطولاً عن تفاصيل المفاوضات وذلك نقلاً عن مسؤولين أمريكيين وإيرانيين مطلعين، وكتبت أنه بعد بعد ساعات متواصلة من الاجتماعات المغلقة التي امتدت حتى وقت مبكر من صباح الأحد، دخل جيه دي فانس إلى قاعة مزخرفة في باكستان وقد بدا عليه الامتعاض.
تحدث عن «نواقص» و«أخبار سيئة» وعدم «القدرة على تحقيق تقدم». ولم تتوصل الولايات المتحدة وإيران إلى أي اتفاق.
قدّم فانس تفاصيل قليلة، وبدا مرهقاً ومحبطاً بعد 21 ساعة من العمل المتواصل، وأجاب على ثلاثة أسئلة، ثم غادر. ولم يتناول ما إذا كانت الهدنة التي تستمر أسبوعين مع إيران ستصمد أو ما الذي سيحدث لمضيق هرمز أو ما إذا كان ترامب سينفذ الآن تهديده بمحو الحضارة الإيرانية من على الخريطة.
وكانت هذه نهاية لافتة لرحلة دبلوماسية عالية المخاطر لفانس، الذي أعلن معارضته لحرب شاملة في إيران. وقد علّق حلفاء الولايات المتحدة وخصومها على حد سواء آمالهم على فانس لإيجاد مخرج من صراع قلب الاقتصاد العالمي، وأضعف التحالفات، وامتد إلى نطاق أوسع في المنطقة.
بدلاً من ذلك، غادر دون أي نتيجة. وألقى باللوم على إيران في فشل المحادثات، قائلًا إن الولايات المتحدة سعت إلى التزام من إيران بأنها لن تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وقد رفضت ذلك.
وكان من اللافت بحد ذاته أن يكون فانس هو من وجد نفسه في هذا الموقف. فالرجل - وفق نيويورك تايمز- داخل الدائرة المقربة من ترامب الذي كان الأكثر معارضة للحرب، تم تكليفه بقيادة أعلى مستوى من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران منذ نحو 50 عاماً. أما ترامب، فكان على بعد آلاف الأميال في مركز كاسيا في ميامي، يشاهد نزالًا في بطولة القتال النهائي إلى جانب ماركو روبيو، وزير خارجيته ومستشار الأمن القومي.
بالنسبة لفانس، شكّلت الرحلة المهمة الأبرز في فترة ولايته، التي تميزت إلى حد كبير بالسياسة الداخلية. وكان مسؤولو البيت الأبيض يأملون أن يقضي الأشهر التي تسبق الانتخابات النصفية في التنقل داخل البلاد لتعزيز الحزب الجمهوري. وبدلاً من ذلك، أمضى بداية الأسبوع في هنغاريا يدعم رئيس الوزراء فيكتور أوربان، وأنهاه في باكستان محاولًا التفاوض لإنهاء حرب معقدة.
والآن، يتعين على ترامب أن يقرر ما يجب فعله بعد ذلك: العودة إلى طاولة المفاوضات أو استئناف صراع قاتل ومكلف خلق بالفعل أكبر اضطراب في الطاقة في العصر الحديث. ويوم الأحد، أجاب جزئيا عن هذا السؤال بإعلانه فرض حصار بحري على مضيق هرمز، وهو ما يُعتبر عموما عملا من أعمال الحرب.
بدأ فانس رحلته إلى باكستان بنبرة متفائلة بحذر، قائلا للصحفيين إن الولايات المتحدة «ستمد يدا مفتوحة» إذا كانت إيران «مستعدة للتفاوض بحسن نية».
لكن مع مغادرة فانس واشنطن، مع توقف قصير للتزود بالوقود في باريس، ظلت تفاصيل كيفية إجراء المفاوضات غير واضحة.
وهدد المسؤولون الإيرانيون مرارا برفض الاجتماعات المباشرة إذا لم توافق الولايات المتحدة على مطالب مختلفة، بما في ذلك الإفراج عن الأصول الإيرانية في الخارج وتوسيع الهدنة لتشمل لبنان. وأبرز هذا المطلب الأخير مدى خروج العديد من أحداث هذه الحرب عن سيطرة الولايات المتحدة: فقد أعرب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو عن رغبته في مواصلة القتال مع حزب الله.
وفي الساعات التي سبقت الاجتماع، وحتى بعد وصول نائب الرئيس إلى إسلام آباد، بدأت الخلافات تتسرب إلى وسائل الإعلام. وقال بعض المسؤولين الإيرانيين لوسائل إعلام إن الولايات المتحدة وافقت على الإفراج عن الأصول الإيرانية المحتجزة قبل بدء الاجتماعات كإشارة حسن نية. وقالت الولايات المتحدة إن هذه التقارير غير صحيحة.
عادة ما تكون الرحلات الخارجية لرؤساء الولايات المتحدة أو نوابهم مخططة بدقة، بجداول زمنية مفصلة ونتائج متوقعة. وتسافر فرق تمهيدية قبل وقت طويل لتسوية التفاصيل ووضع جداول دقيقة بالدقائق. أما فريق فانس، فلم يكن لديه سوى بضعة أيام.
في إسلام آباد، كانت تحركات فانس محاطة بإجراءات أمنية مشددة. ولم يُعلن عن وصوله إلا بعد 15 دقيقة من مغادرة موكبه قاعدة نور خان الجوية. كما لم يُعلن عن زيارته للسفارة الأمريكية إلا بعد وصوله إلى موقعه التالي: فندق سيرينا، الفندق الفاخر الذي استضاف المحادثات.
ولم يُسمح لأي صحفيين بدخول الغرفة عندما التقى الوفد الأمريكي بالإيرانيين، ولا حتى خلال الاجتماع الثنائي مع الباكستانيين.
وفي واشنطن، كان كبار مسؤولي البيت الأبيض يبحثون أيضا عن تفاصيل، حيث أجروا اتصالات لمعرفة ما يحدث في إسلام آباد مع استمرار المفاوضات.
متشكك منذ البداية
لم يكن فانس يريد أن تخوض الولايات المتحدة حربا مع إيران. وقد حذّر من الفوضى الإقليمية والخسائر البشرية الكبيرة. وكان قلقًا بشأن استنزاف مخزون الولايات المتحدة من الذخائر. كما خشي من خيانة القاعدة السياسية للإدارة، التي دعم الكثير منها الرئيس بسبب تعهده بعدم إدخال الولايات المتحدة في حروب جديدة. وقد ركّز فانس، الذي تطورت هويته السياسية بمرور الوقت، من ناقد حاد لترامب في عام 2016 إلى مؤيد قوي له، على معارضة هذا النوع من النزاعات في فكره السياسي الخارجي. وكان ذلك أساس دعمه لترامب خلال حملته الرئاسية الثالثة.
قاد الوفد الأمريكي ثلاثة رجال لديهم خبرة محدودة في الدبلوماسية التقليدية. فقد شملت المسيرة السياسية لفانس قبل أن يصبح نائبا للرئيس فترة قصيرة في مجلس الشيوخ استمرت عامين، بينما جمع ويتكوف وكوشنر ثرواتهما في قطاع العقارات.
لكن ويتكوف وكوشنر برزا كموفدين لحل الأزمات لدى ترامب، حيث تم إرسالهما إلى مناطق نزاع حول العالم لمحاولة تحقيق السلام. وقد حققا بعض النجاح في الصراع بين إسرائيل وحماس، ونجاحا أقل بكثير في روسيا وأوكرانيا. ومع إيران، حاولا التوصل إلى اتفاق، لكن انهيار المفاوضات أدى إلى الصراع الحالي.
بينما كان فانس يسافر إلى باكستان وخلال المفاوضات، كان ترامب يعلّق مرارا على منصة تروث سوشيال. فقد انتقد وسائل الإعلام لنشرها تقارير لا تؤكد أن إيران «تخسر، وتخسر بشكل كبير!»، وتفاخر بما وصفه بالنجاح العسكري الأمريكي الكامل.
وكتب: «يبدو أن الإيرانيين لا يدركون أنهم لا يملكون أي أوراق، باستثناء ابتزاز قصير الأمد للعالم عبر استخدام الممرات المائية الدولية». وأضاف: «السبب الوحيد لبقائهم على قيد الحياة اليوم هو التفاوض!».
