محمد بوبوش: المطالبات بالتعويض تستند إلى أرضية قانونية صلبة
عبد العزيز سلطان: دول الخليج مدعومة بقرارات مجلس الأمن والمجلس الحقوقي تملك شرعية المطالبة بالتعويضات
تجد إيران نفسها في مرمى المساءلة القانونية الدولية والمحاسبة المالية، جراء العدوان الغاشم وغير المبرر على دول الخليج والأردن، حيث تكثف دول الخليج تحركاتها القانونية لمحاسبة النظام الإيراني على عدوانه.
ويأتي مسار التعويضات والمساءلة كأحد أبرز عناوين المرحلة المقبلة، ولا سيما بعد أن أدان مجلس حقوق الإنسان استهداف طهران للمنشآت الحيوية في الخليج، وطالب بمحاسبة المسؤولين ودفع تعويضات.
يندرج السلوك الإيراني ضمن تعريف العدوان الوارد في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 لعام 1974، الذي يعدّ قصف إقليم دولة أخرى عملاً عدوانياً بموجب المادة 3 (ب) و3 (د).
كما تتعارض هذه الهجمات مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني المتعلّقة بالتمييز والتناسب، فضلاً عن قواعد اللجنة الدولية للصليب الأحمر العرفية ذات الصلة، لأن المنشآت المستهدَفة كانت تخدم سكّاناً مدنيين في دول ليست أطرافاً في النزاع المسلّح.
ووفقاً لقواعد القانون الدولي، فإن أي دولة تتحمل المسؤولية عن الأضرار التي تنتج عن أفعالها العدائية تجاه دول أخرى.
ويؤكد مبدأ «المسؤولية الدولية عن الأفعال غير المشروعة»، أن الدولة المعتدية ملزمة بتعويض كامل عن الأضرار المادية والمعنوية التي تسبب بها سلوكها.
ولم يعد مبدأ إلزام إيران بدفع تعويضات خياراً، بل ضرورة لحماية الأمن الإقليمي، وترسيخ قواعد العدالة الدولية.
وفتح قرار مجلس حقوق الإنسان الباب أمام دول الخليج للبدء في التقاضي الدولي، وطلب التعويضات المالية على ما تسببت به من أضرار لمنشآتها النفطية والاقتصادية، والبنية التحتية، إضافة إلى تعطيل صادراتها من النفط والغاز.
وطالبت وزارة الخارجية الإماراتية إيران بتقديم تعويضات كاملة عن الخسائر والأضرار التي لحقت بدول الخليج، نتيجة الاعتداءات الأخيرة، مؤكدة أن هذه الخطوة ضرورية لتحقيق العدالة، وردع أي محاولات مستقبلية لزعزعة الأمن الإقليمي.
من جهتها، وجهت دولة قطر، رسالتين متطابقتين، إلى كل من أنطونيو غوتيرش الأمين العام للأمم المتحدة، وجمال فارس الرويعي المندوب الدائم لمملكة البحرين لدى الأمم المتحدة، رئيس مجلس الأمن لشهر أبريل، وشددت الرسالتان على أن الأفعال غير المشروعة من قبل إيران تجعلها ملزمة بتقديم التعويض عن جميع الأضرار، وأكدتا أنه سيتم حصر جميع الأضرار والخسائر جراء الهجمات من قبل الجهات ذات الاختصاص.
راسخ وواضح
ويرى خبراء في القانون الدولي والعلاقات الدولية، أن الأساس القانوني لمطالبة دول الخليج بالتعويضات «راسخ وواضح»، إذ إن استهداف منشآت مدنية وأصول اقتصادية حيوية، يمثل انتهاكاً صريحاً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
ويؤكد محللون أن القواعد المنظمة لمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة تلزم إيران، من حيث المبدأ، بوقف الانتهاك وجبر الضرر، سواء عبر إعادة الحال إلى ما كان عليه، أو دفع تعويضات مالية تغطي الخسائر المباشرة وغير المباشرة.
ويشير خبراء إلى إمكانية لجوء الدول المتضررة إلى محكمة العدل الدولية، لرفع دعاوى رسمية، أو الدفع نحو إنشاء آلية دولية خاصة لتقدير الأضرار وصرف التعويضات، على غرار لجان التعويضات التي أُنشئت في نزاعات سابقة.
كذلك، يمكن تفعيل مسارات موازية عبر المحاكم الوطنية في دول تحتضن استثمارات أو أصولاً إيرانية، بما يفتح الباب أمام ملاحقات قانونية عابرة للحدود. ويرى مراقبون أن قرارات مجلس حقوق الإنسان، رغم طابعها غير الملزم، تمثل دعماً قانونياً وأخلاقياً مهماً، إذ تسهم في تثبيت الوقائع، وتدعيم الملفات القضائية، ما يعزز فرص تحويل الإدانات السياسية إلى التزامات مالية.
يرى د. محمد بوبوش أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول في وجدة بالمغرب، أن العدوان الإيراني ضد المنشآت الحيوية في دول الخليج، مثّل خرقاً جسيماً لقواعد القانون الدولي، وعلى رأسها مبدأ حظر استخدام القوة المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.
ويوضح أن المسؤولية الدولية تتحقق بمجرد ارتكاب فعل غير مشروع يُنسب إلى الدولة المعتدية، ما يجعل التزام طهران بدفع تعويضات قانونياً، وليس خياراً سياسياً، استناداً إلى القواعد المستقرة في مشروع مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً (ARSIWA).
ويشير بوبوش إلى أن هذا الإطار القانوني، يقوم على ركنين أساسيين: الإسناد، أي أن يكون الفعل صادراً عن أجهزة الدولة أو الجهات المرتبطة بها، والخرق، أي انتهاك التزام دولي قائم.
ويضيف أن المطالبات الخليجية بالتعويض، تستند إلى أرضية قانونية صلبة، خاصة بعد إدانة مجلس حقوق الإنسان للضربات، واعتبارها انتهاكاً للأعيان المدنية.
ورغم أن قرارات المجلس غير ملزمة، فإنها تسهم في تثبيت الوقائع، وتدعيم الملفات القانونية أمام المحافل الدولية.
وفي ما يتعلق بآليات الإلزام، يؤكد بوبوش أن مجلس الأمن الدولي يظل الأداة الأكثر فاعلية، عبر إمكانية فرض عقوبات، أو تجميد أصول إيرانية، واستخدامها كضمانات للتعويض، فضلاً عن اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، أو إنشاء لجنة تعويضات دولية، على غرار النماذج السابقة. كما يمكن تفعيل مسارات قانونية موازية عبر المحاكم الوطنية في دول توجد بها أصول إيرانية.
ويخلص إلى أن التحدي لا يكمن في الأساس القانوني، بل في آليات التنفيذ، إذ يبقى الامتثال الطوعي من جانب إيران محل شك، ما يجعل تفعيل أدوات الضغط الدولية، وربط التعويضات بأمن الملاحة والطاقة، عاملاً حاسماً في دفع طهران نحو تسوية ملزمة.
شرعية التعويض
ويرى المحلل السياسي الكويتي عبد العزيز سلطان، أن إدانة مجلس حقوق الإنسان للضربات الإيرانية على منشآت الطاقة الخليجية، تمثل «حجر زاوية» قانونياً لنقل قضية التعويضات من الإطار السياسي إلى ساحة المسؤولية الدولية.
ويؤكد أن التزام إيران بدفع التعويضات لن يكون طوعياً، بل ستفرضه موازين القوى القانونية والاقتصادية، التي بدأت تتبلور في العام الجاري. وعن الأدوات التنفيذية لإلزام طهران بالتعويضات لدول الخليج، يوضح سلطان عدداً من الأدوات، أبرزها:
- تفعيل «صناديق التعويضات»، من خلال وضع اليد على الأصول الإيرانية المجمدة دولياً، وتحويلها مباشرة للمتضررين.
- فرض «رسوم سيادية»، أو اقتطاع نسب من عائدات صادرات إيران النفطية (في حال رفع الحظر جزئياً) تحت إشراف أممي، على غرار تجربة «النفط مقابل الغذاء».
-المقاضاة أمام محكمة العدل الدولية، بناءً على انتهاك اتفاقيات أمن الملاحة ومنشآت الطاقة.
ويخلص سلطان إلى أن دول الخليج، مدعومة بقرارات مجلس الأمن والمجلس الحقوقي، تملك اليوم «شرعية المطالبة»، وأن فاتورة الدمار الذي لحق بالبنى التحتية الخليجية، ستظل تلاحق طهران كالتزام مالي دولي، لا يسقط بالتقادم أو المناورات السياسية.