الإمارات.. تاريخ حافل بالعطاء الإنساني في السودان

9
9

يتواصل الصراع في السودان منذ اندلاعه في أبريل 2023، ملقياً بظلال ثقيلة على ملايين المدنيين الذين يعيشون واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في تاريخ البلاد الحديث.ومع اتساع رقعة المواجهات المسلحة وتعدد بؤر التوتر، دخل السودان مرحلة إنسانية حرجة اتسمت بتدهور الأمن الاجتماعي، وانهيار قطاعات خدمية أساسية، وارتفاع غير مسبوق في أعداد النازحين داخلياً واللاجئين إلى دول الجوار، ووسط هذا المشهد المتشظي، برزت جهود إنسانية إقليمية ودولية سعت إلى تخفيف معاناة المدنيين، مع التأكيد على حيادية العمل الإنساني وعدم الانحياز لأي طرف في النزاع.ومن بين أبرز الفاعلين الإقليميين، لعبت دولة الإمارات العربية المتحدة دوراً متقدماً في الاستجابة الإنسانية، عبر حزمة مساعدات متعددة الأبعاد استهدفت القطاعات الأكثر تضرراً داخل السودان وفي دول الجوار.

وشملت الاستجابة الإماراتية إرسال جسور جوية محملة بمواد غذائية وإمدادات طبية عاجلة، إضافة إلى دعم القطاع الصحي من خلال تجهيز مستشفيات بالمعدات والأدوية، وتوفير مستشفيات ميدانية في بعض المناطق.كما امتدت الإعانات لتشمل برامج المياه والصرف الصحي، بهدف ضمان وصول مياه نظيفة إلى المجتمعات المتأثرة،

والحد من مخاطر انتشار الأمراض المرتبطة بتلوث المياه وضعف البنية التحتية.وفي ملف الإيواء، ساهمت الإمارات في توفير خيام ومواد إغاثية أساسية للأسر النازحة، مع تركيز خاص على الفئات الأكثر هشاشة، مثل النساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة، الذين تحملوا أعباء مضاعفة نتيجة النزوح وفقدان مصادر الدخل.

وجاء تنفيذ هذه المبادرات بالتنسيق مع جهات محلية ومنظمات أممية ودولية، لضمان الفاعلية وتفادي ازدواجية الجهود.

أزمة مركبة

في السياق، يرى خبير الشؤون الإفريقية د. رامي زهدي، أن السودان يمر بمرحلة إنسانية غير مسبوقة، تتسم بثلاث سمات رئيسة: أولاً، تآكل قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية في قطاعات الصحة والتعليم والكهرباء والمياه؛

ثانياً، اتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، وخاصة مع تعطل الموسم الزراعي في بعض المناطق وصعوبة وصول الإمدادات؛ وثالثاً، تفاقم أزمة حماية المدنيين في ظل الانفلات الأمني.ويشير زهدي إلى أن خروج عدد كبير من المستشفيات عن الخدمة وتعطل سلاسل الإمداد، إضافة إلى القيود المفروضة على الحركة في بعض المناطق، أدى إلى مضاعفة المخاطر الصحية والإنسانية.

ويؤكد أن الأزمة لم تعد مجرد نزاع مسلح، بل تحولت إلى أزمة مركبة تهدد النسيج الاجتماعي والاستقرار الإقليمي، في ظل ترابط السودان الجغرافي مع عدد من الدول الأفريقية والعربية.

دعم المتضررين

وفي تقييمه للدور الإماراتي، يؤكد زهدي أن دولة الإمارات برزت كأحد الفاعلين الإقليميين في الاستجابة الإنسانية، عبر تخصيص مساعدات إغاثية لدعم المتضررين داخل السودان وفي دول الجوار.ويوضح أن التحرك الإماراتي شمل إرسال جسور جوية تحمل مواد غذائية وطبية، ودعم مخيمات اللاجئين وخاصة في تشاد، والعمل بالشراكة مع وكالات الأمم المتحدة لضمان وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر هشاشة.

ويشدد في الوقت ذاته على أن المساعدات الإنسانية، رغم أهميتها البالغة، لا يمكن أن تكون بديلاً عن تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتعيد بناء مؤسسات الدولة. 

4 مبادرات إماراتية إنسانية لدعم السودان تم الكشف عنها تباعاً خلال مدى زمني أقل من شهر، توجت بالكشف عن بيانات حديثة لمنصة خدمة تتبع التمويل الإنساني «FTS» التابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تكشف تصدر دولة الإمارات قائمة الدول الأكثر دعماً للسودان عام 2025.

وفي قائمة «المانحون العالميون 2025» لـ«FTS» حلّت المساعدات الحكومية الإماراتية في المرتبة الأولى عالمياً، بنحو 86.7 مليون دولار، بما يعادل نحو 17.70% من إجمالي التمويل العالمي المسجل لهذا البلد الأفريقي في عام 2025.

كما تظهر في قائمة كبار المانحين «UAE Aid»، التي أسهمت بأكثر من 39 مليون دولار (المركز الرابع)، بما يعادل نحو 7.98% من إجمالي المساعدات.دعم الإمارات المنقذ للأرواح ظهر جلياً أيضاً في اتفاقية أخرى وقّعتها وكالة الإمارات للمساعدات الدولية مع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» في 21 يناير الماضي.

وستُسهم بموجبها دولة الإمارات بمبلغ 5 ملايين دولار أمريكي، بهدف دعم صندوق السودان الإنساني المشترك لدعم الاستجابة الإنسانية الطارئة في السودان، بما يسهم في تلبية الاحتياجات العاجلة للفئات الأكثر تضرراً من الأزمة

نموذج

من جانبه، يعتبر الكاتب والمحلل السياسي السوداني محمود كاربينو، أن الاستجابة الإماراتية تمثل نموذجاً متقدماً لما يمكن وصفه بـ«الدبلوماسية الإنسانية»، حيث لا يقتصر الدور على تقديم منح مالية، بل يمتد إلى بناء شراكات تنفيذية مع منظمات دولية لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بكفاءة وشفافية.

ويشير كاربينو إلى إعلان الإمارات، خلال مؤتمر للمانحين في واشنطن، تخصيص 500 مليون دولار لدعم «صندوق السودان الإنساني» ضمن خطة دولية أوسع تستهدف جمع 1.5 مليار دولار. ويؤكد أن أهمية هذا التعهد لا تكمن فقط في حجمه المالي، بل في كونه يعزز قدرة المنظمات العاملة ميدانياً على توسيع نطاق تدخلاتها في القطاعات الأكثر احتياجاً.

كما يلفت إلى توقيع اتفاقيات مع عدد من الجهات الأممية والدولية، بما في ذلك مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بهدف دعم الحماية والإيواء والخدمات الأساسية للنازحين واللاجئين.

ويرى كاربينو أن الاستراتيجية الإماراتية ركزت على خمسة محاور رئيسة هي: الأمن الغذائي، عبر تسيير عشرات الشحنات إلى مناطق متضررة مثل الفاشر؛ دعم القطاع الصحي من خلال المستشفيات الميدانية ومكافحة الأمراض؛ توفير المأوى والمياه للنازحين؛ دعم التعليم للأطفال المتضررين؛ وتعزيز برامج الحماية للفئات الأكثر ضعفاً.

ويخلص إلى أن التنسيق الوثيق مع الشركاء الدوليين يعكس حرصاً على تحييد الملف الإنساني عن الاستقطابات السياسية، مع الدفع في الوقت ذاته نحو تهدئة إنسانية تمهد لمسار سياسي شامل. فالأزمة السودانية، مهما تعددت أبعادها، تبقى في جوهرها أزمة إنسان يعيش تحت وطأة الحرب، ينتظر بارقة أمل تعيد إليه حقه في الأمن والكرامة والاستقرار.