امرأة صاحبة ذاكرة خارقة تحبسها في أسر الماضي



في 31 من أغسطس عام 1997، كانت ريبيكا شاروك طفلة في السابعة من عمرها حين وصل إلى عائلتها نبأ وفاة الأميرة ديانا. كانت تستحم إلى جوار شقيقتها، بينما تغسل والدتهما شعرهما، عندما نادتهما خالتهما لتنقل إليهما الخبر. مشهد عابر من طفولة بعيدة، لكنه ظل حياً في ذاكرتها، كأن الزمن لم يمضِ، وكأن ذلك اليوم لم يغادر حاضرها قط.

بالنسبة إلى معظم الناس، تتلاشى تفاصيل الطفولة مع مرور السنين، وتبقى منها صور باهتة وملامح مبتورة، تستعيدها الذاكرة حين توقظها رائحة أو أغنية أو حكاية قديمة. أما ريبيكا، فلا يبدو أن الزمن يملك السلطة ذاتها على ذكرياتها؛ إذ تستطيع العودة إلى أحداث مضى عليها عقود، واستحضار تفاصيلها ومشاعرها، وكأنها تعيشها للمرة الأولى.

لكن ما يبدو للآخرين هبة استثنائية، قد يتحول في حياتها إلى عبء ثقيل. فالماضي لا ينتظر أن تدعوه إلى الحضور، بل يقتحم أفكارها بلا موعد، متنقلاً بين لحظات السعادة والألم، وبين أيام الطفولة وسنوات الشباب، حتى يصبح النوم والهدوء أمنيتين يصعب بلوغهما أحياناً.

إنها واحدة من نحو مئة شخص، وفق تقدير الباحث كريغ ستارك، شُخّصوا حول العالم بحالة نادرة تُعرف باسم «الذاكرة الذاتية الفائقة» (HSAM)، وهي قدرة استثنائية على استرجاع أحداث الحياة الشخصية وتفاصيلها. ورغم ندرة هذه الحالة، فإنها تفتح نافذة واسعة على أسرار الذاكرة البشرية، وعلى العلاقة المعقدة بين ما نتذكره وما نشعر به.

حين اكتشفت أن ذاكرتها مختلفة

لم تكن ريبيكا تعرف، في سنوات طفولتها، أن ذاكرتها تسلك طريقاً مختلفاً عن ذاكرة الآخرين. وظلت تجربتها جزءاً طبيعياً من عالمها، إلى أن شاهدت، في يناير عام 2011، تقريراً تلفزيونياً مع والديها عن أشخاص يمتلكون قدرة غير مألوفة على استعادة أحداث حياتهم.

للمرة الأولى، بدأت ملامح تجربتها تتضح أمامها، وراحت تتساءل عما إذا كانت ذاكرتها تنتمي إلى الظاهرة ذاتها. وبعد عامين من الاختبارات، شخّصها فريق الباحث كريغ ستارك في جامعة كاليفورنيا بمدينة إرفاين الأمريكية بهذه الحالة عام 2013 حين كانت في 23 عاماً من عمرها.

وفي حديثها إلى صحيفة «إندبندنت» البريطانية، كشفت ريبيكا أن ذاكرتها لا تميز بين الأحداث الكبرى والتفاصيل الصغيرة؛ فالمواقف اليومية العادية، شأنها شأن اللحظات الاستثنائية، تظل حاضرة في ذهنها، سواء حملت معها الفرح أم الألم.

والأغرب أن الذكريات لا تصطف في طابور زمني منتظم؛ فقد تجد نفسها فجأة في مشهد من طفولتها المبكرة، ثم تنتقل إلى موقف عاشته في الـ20 من عمرها، قبل أن تقفز إلى ذكرى أخرى من 17، وهكذا تتداخل الأعمار والسنوات، ويصبح الماضي أشبه بفضاء مفتوح، لا تحده حدود الزمن ولا يضبط إيقاعه ترتيب الأحداث.

وحين تكون الذكرى مؤلمة، لا تكتفي باستعادة تفاصيلها، بل قد تعود معها المشاعر التي رافقتها، لتجد ريبيكا نفسها أمام تجربة يصعب إغلاق أبوابها أو الانصراف عنها بسهولة.

ذاكرة تحفظ الألم والفرح

تتعايش ريبيكا أيضاً مع اضطراب الوسواس القهري والقلق والتوحد. وتوضح أن الوسواس يجعل التخلي عن بعض الأفكار والمشاعر أمراً شاقاً، بينما تمنحها ذاكرتها قدرة على استحضار أحداث أخرى مرتبطة بها، فتتشابك التفاصيل والمشاعر في دائرة يصعب الخروج منها.

ومع ذلك، فإن تجربتها لا تعني أن هذه الاضطرابات تصاحب جميع أصحاب الذاكرة الذاتية الفائقة؛ فلكل إنسان حكايته الخاصة، ولا تزال طبيعة العلاقة بين هذه الحالات والقدرة الاستثنائية على التذكر موضع بحث ودراسة.

في حياة ريبيكا، لا يبدو النسيان مجرد عملية طبيعية يمارسها العقل، بل مساحة تفتقدها أحياناً. فالإنسان لا يتعب من الذكريات الجميلة وحدها، ولا يستطيع دائماً أن يختار ما يستعيده منها. وقد تكون بعض اللحظات التي يتمنى الآخرون الاحتفاظ بها إلى الأبد، هي ذاتها اللحظات التي يتمنى أصحابها لو استطاعوا تركها خلفهم.

ليست ذاكرة فوتوغرافية

على الرغم من الصورة الشائعة التي تربط الذاكرة الخارقة بالقدرة على تصوير كل ما تراه العين والاحتفاظ به بدقة كاملة، فإن الذاكرة الذاتية الفائقة تختلف عن مفهوم «الذاكرة الفوتوغرافية». فهي تتعلق أساساً باستعادة أحداث الحياة الشخصية وربطها بتواريخها، ولا تعني بالضرورة التفوق في كل أشكال التذكر.

وفي مراجعة منهجية نُشرت عام 2024 في دورية «نيوروسيكولوجي ريفيو»، حلل الباحثون عشرين دراسة تجريبية تناولت هذه الظاهرة. وأظهرت النتائج أن أصحابها يتمتعون بقدرة لافتة على استدعاء ذكرياتهم الشخصية بسرعة وتفاصيل كثيرة، مع مؤشرات إلى نشاط ملحوظ في شبكات الدماغ المرتبطة بفرط الاستذكار.

لكن الذاكرة، مهما بلغت قوتها، ليست سجلاً معصوماً من الخطأ. فقد أظهرت دراسة نُشرت عام 2013 أن أصحاب هذه القدرة ليسوا بمنأى عن الذكريات الزائفة، بل كانوا في إحدى التجارب أكثر عرضة من المجموعة الضابطة لتذكر تفاصيل مضللة عن مشاهد مصورة.

وهنا تكمن إحدى المفارقات الأكثر إثارة: أن يتذكر الإنسان الكثير لا يعني بالضرورة أنه يتذكر كل شيء على نحو صحيح. فالذاكرة البشرية ليست خزانة مغلقة تحفظ الحقيقة كما وقعت، بل عملية معقدة قد تتداخل فيها التفاصيل والتفسيرات والانطباعات.

  فرط التذكر  

لا تقتصر هذه القدرة النادرة على البالغين، فقد وثّق باحثون حالة مراهق عُرف بالأحرف «كيه سي إل»، حقق أداءً استثنائياً في اختبارات الذاكرة الذاتية، متفوقاً على 99.9% من المشاركين في مقاييس محددة.

وتناولت دراسة نُشرت في دورية «كورتكس» قدرته على استعادة أحداث شخصية بتفاصيل دقيقة، إلى جانب الذكريات التي تنبثق في الذهن تلقائياً، من دون أن يحاول الإنسان استدعاءها عن قصد.

وتشير هذه الحالة إلى أن الذاكرة الذاتية الفائقة يمكن أن تظهر في سن مبكرة، وإن كانت دراسة حالة واحدة لا تكفي لتعميم نتائجها على جميع أصحاب هذه القدرة.

ولا يزال العلماء يحاولون فك ألغاز هذه الظاهرة، وفهم الكيفية التي يستطيع بها بعض الأشخاص استعادة تفاصيل واسعة من ماضيهم، فيما تتلاشى لدى الآخرين أحداث كثيرة حتى من سنواتهم القريبة. وبينما تتقدم الأبحاث، يبقى العقل البشري عالماً تتقاطع فيه البيولوجيا والمشاعر والتجارب الشخصية بطرق لم تُكشف أسرارها كاملة بعد.

خزانة ملفات

تصف ريبيكا ذاكرتها بأنها أشبه بخزانة ملفات داخل رأسها، تحفظ فيها الأحداث وفق الشهور والسنوات والأيام. وتربط هذا الميل إلى الاحتفاظ بالتفاصيل بخوف رافقها منذ طفولتها، خشية أن يؤدي نسيان ذكرى إلى فقدان جزء من حياتها.

غير أنها تحاول اليوم أن تجد لنفسها طرقاً للتعامل مع هذا التدفق المتواصل، وأن تصنع مسافة بينها وبين الذكريات التي تثقل ذهنها. وحين يستعصي عليها النوم، تلجأ إلى الموسيقى الكلاسيكية، وتوجه انتباهها إلى الألحان، متخيلة أفكارها ومشاعرها كما لو كانت نوتات موسيقية تتعاقب في لحن طويل.

كما تتعلم اللغات وتعزف الغيتار الكلاسيكي، بحثاً عن منافذ تشغل ذهنها وتساعدها على الابتعاد، ولو لبعض الوقت، عن الذكريات التي لا ترغب في استعادتها. وفي هذه الأنشطة، تجد فرصة لإعادة توجيه انتباهها نحو الحاضر، بدلاً من البقاء أسيرة ما مضى.

إيقاع الخاص

لم تتوقف آثار ذاكرتها عند حدود حياتها الداخلية، بل امتدت إلى اختياراتها العملية أيضاً. فهي لا تقود السيارة، ولا تجد في نمط العمل التقليدي، الذي يفرض البقاء في مكان واحد طوال اليوم، ما يلائم ظروفها. لذلك اختارت الكتابة والعمل الإبداعي، لتصنع لنفسها مساحة تتسع لتجربتها وتمنحها قدراً أكبر من المرونة.

وفي عام 2024، أصدرت كتابها «حياتي أحجية»، الذي تروي فيه محطات حياتها بترتيب زمني، منذ الولادة حتى سن الثلاثين، وتعمل على كتاب آخر بعنوان «حياتي في رسومات».

ومن خلال الكتابة، لا توثق ريبيكا أحداث عمرها فحسب، بل تحاول أيضاً أن تمنح ذاكرتها شكلاً يمكن التعامل معه، وأن تحول ما يبدو تدفقاً لا ينتهي إلى حكاية لها بداية وتسلسل ومعنى.

لقد تمنت طويلاً أن تعيش مثل الآخرين، وأن تتحرر من الصعوبات التي تفرضها ذاكرتها، لكنها باتت تجد فكرة الانتقال إلى حياة مختلفة أمراً يثير القلق أيضاً؛ فهي لم تعرف وجوداً آخر غير هذا الوجود الذي يصحبها فيه الماضي أينما ذهبت.

النسيان.. الوجه الآخر للذاكرة

تحمل حكاية ريبيكا مفارقة إنسانية عميقة؛ فنحن نخشى عادة أن تسرق السنوات ذكرياتنا، ونتشبث بالتفاصيل التي نخشى ضياعها، ونحاول أن نحفظ الوجوه والأصوات واللحظات الجميلة من عبور الزمن. لكن تجربتها تكشف أن الاحتفاظ بكل شيء قد لا يكون نعمة خالصة، وأن الذاكرة حين تتجاوز حدودها المألوفة قد تتحول من جسر يصلنا بالماضي إلى طريق يعيدنا إليه مراراً.

فليست كل ذكرى مصدراً للطمأنينة، وليس كل ما يبقى في أذهاننا يستحق أن نظل أسرى له. وربما كان النسيان، الذي نراه أحياناً خسارة لا تعوض، إحدى الوسائل التي يمنحنا بها العقل فرصة للتعافي، والتخفف من ثقل ما مضى، وفتح نوافذ جديدة على الحاضر.

في النهاية، لا تقاس الحياة بعدد التفاصيل التي نستطيع استعادتها، بل بقدرتنا على مواصلة السير رغم ما نحمله منها. وبين ذاكرة لا تنسى، وأخرى تترك بعض الأشياء تتوارى في صمت، يبقى السؤال معلقاً: هل نحتاج حقاً إلى أن نتذكر كل شيء كي لا نفقد شيئاً من حياتنا، أم أن بعض النسيان هو ما يسمح لنا بأن نعيش؟