ألبرتا على مفترق طرق.. هل تنفصل المقاطعة النفطية عن كندا؟

تتجه مقاطعة ألبرتا الكندية إلى اختبار سياسي بالغ الأهمية، مع تصويت يُجرى  الاثنين الموافق لـ19 أكتوبر 2026 لتحديد ما إذا كانت ستواصل مسارها ضمن الاتحاد الكندي، أم ستفتح الباب أمام إجراءات قانونية تمهّد لاستفتاء مستقبلي بشأن الاستقلال.

ورغم أن التصويت لا يتناول الانفصال مباشرة، فإنه يضع مستقبل المقاطعة أمام مفترق طرق، في ظل ظهور أصوات ذات نزعة انفصالية وتزايد الجدل بشأن علاقتها بالحكومة الفيدرالية في أوتاوا.

سابقة

تتألف كندا من اتحاد فيدرالي يضم عشر مقاطعات وثلاثة أقاليم، تتوزع بينها الصلاحيات والمسؤوليات وفق نظام يمنح الحكومة المركزية في العاصمة أوتاوا سلطة إدارة الملفات الوطنية الكبرى، مثل الدفاع والتجارة والسياسة الخارجية، في حين تتمتع حكومات المقاطعات والأقاليم بسلطات واسعة في مجالات حيوية، أبرزها الصحة والتعليم وحقوق الأراضي.

وعلى الرغم من تماسك هذا الاتحاد، فقد واجهت كندا على مدى تاريخها الحديث تحديات تتعلق بوحدتها الوطنية، لا سيما في مقاطعة كيبيك ذات الأغلبية الناطقة بالفرنسية، التي شهدت استفتاءين بشأن الانفصال عن البلاد. وفي كلتا المناسبتين، اختار السكان البقاء ضمن الدولة الكندية، غير أن استفتاء عام 1995 انتهى بنتيجة متقاربة للغاية، عكست عمق الانقسام داخل المقاطعة، وأظهرت أن مسألة الانفصال ظلت قضية حساسة تتقاطع فيها الهوية الثقافية مع الاعتبارات السياسية ومستقبل الاتحاد الكندي.

ملفات

ويشمل التصويت الذي اتجهت إليه مقاطعة ألبرتا الكندية عشرة أسئلة، يرتبط عدد منها بملف الهجرة، غير أن السؤال العاشر يظل محوره الأساسي، إذ يطرح خيارين واضحين: الإبقاء على ألبرتا مقاطعة كندية، أو توجيه الحكومة إلى اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لتنظيم استفتاء حاسم بشأن الانفصال .

ومع أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن أقل من ربع المشاركين يؤيدون الاستقلال، فإن الدعوة إلى التصويت تعكس اتساع مساحة الجدل حول مكانة ألبرتا داخل الاتحاد الكندي، وحدود ما يمكن أن تحصل عليه من صلاحيات واستقلالية في إدارة شؤونها.

ثروة نفطية هائلة  

تتمتع ألبرتا بمكانة اقتصادية بارزة داخل كندا، إذ يبلغ عدد سكانها نحو خمسة ملايين نسمة من أصل قرابة 42 مليوناً في البلاد، وتسهم بنحو 15 إلى 16%  من الناتج المحلي الإجمالي الكندي، الذي تتراوح تقديراته بين 2.3 و2.5 تريليون دولار، وفقاً لبيانات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

وتستند قوة المقاطعة الاقتصادية إلى ثروة طبيعية استثنائية؛ فهي تمتلك رابع أكبر احتياطي مؤكد من النفط في العالم، وتنتج نحو 80 في المئة من النفط الكندي، فيما تشكل صادرات الطاقة قرابة 70 في المئة من إجمالي صادراتها، كما تُعد أكبر مورد أجنبي للنفط إلى الولايات المتحدة، وتسهم بنحو خُمس الصادرات الزراعية الكندية.

غير أن هذه الثروة، التي تمثل أحد أعمدة الاقتصاد الكندي، تحولت إلى مصدر توتر سياسي بين ألبرتا والحكومة الفيدرالية. فالدستور يمنح المقاطعات حقوقاً في الموارد المعدنية الموجودة تحت أراضيها، لكن أوتاوا تحتفظ بنفوذ واسع فيما يتعلق بنقل النفط إلى الأسواق الخارجية، وهي مسألة تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى ألبرتا، التي لا تملك منافذاً بحرية مباشرة.

وقد تعمّق هذا التوتر خلال سنوات حكم رئيس الوزراء السابق جاستن ترودو، إذ اتهمه كثير من سكان المقاطعة بالسعي إلى الحد من إنتاج النفط لمصلحة سياسات بيئية ومناخية رأوا أنها تتعارض مع مصالح اقتصادهم المعتمد على الطاقة.

التحويلات المالية خلاف يتجاوز الأرقام

لا يقتصر استياء سكان ألبرتا على السياسات النفطية، بل يمتد إلى نظام التحويلات المالية بين المقاطعات، الذي يُستخدم في إطار السياسة المالية الكندية لدعم الخدمات العامة في المناطق الأقل ثراءً.

وتتمثل إحدى نقاط الخلاف في شعور سكان ألبرتا بأن عائدات مقاطعتهم المزدهرة تُسهم في تمويل الخدمات العامة في مناطق أخرى، في وقت لم تحصل فيه المقاطعة على مدفوعات من برنامج موازنة الأقاليم منذ عقود، وفقاً لما أورده تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال».

وفي نظر قطاعات من السكان، لا يتعلق الأمر بمجرد خلاف على توزيع الإيرادات، بل بإحساس أوسع بأن المقاطعة تتحمل جانباً كبيراً من الأعباء الاقتصادية للاتحاد من دون أن تحظى، في المقابل، بما يكفي من النفوذ في القرارات التي تمس مصالحها.

وقالت رئيسة حكومة ألبرتا، دانييل سميث، في حديث إلى مدونة «كندالاند» ، إنها تعتقد أن جاستن ترودو يتحمل مسؤولية كبيرة عن تصاعد النزعة الانفصالية.

ومع ذلك، تؤكد سميث دعمها لبقاء ألبرتا ضمن كندا، وتقول إن الدعوة إلى الاستفتاء تهدف إلى حسم الجدل حول هذه القضية. وقد تعهدت بالمضي في تنظيم استفتاء ملزم بشأن الاستقلال إذا أيدت الأغلبية هذا الخيار في التصويت الحالي، بينما ترى أن فوز المعسكر الاتحادي ينبغي أن يضع حداً لهذا الملف.

أما في الشارع، فتبدو المشاعر أكثر حدة لدى بعض المنتمين إلى قطاع النفط. ففي تجمع انفصالي بمدينة إدمنتون، قالت إحدى المشاركات إن العاملين والمرتبطين بصناعة الطاقة يشعرون بأنهم تعرضوا للسرقة والغش وسوء المعاملة، مضيفة أن الوقت قد حان للمواجهة والقول إن هذا الوضع لم يعد مقبولاً.

مارك كارني يحاول ترميم العلاقة

لكن المشهد الاقتصادي والسياسي لم يبقَ على حاله مع وصول مارك كارني، المولود في ألبرتا، إلى رئاسة الحكومة الكندية. فقد بلغ إنتاج النفط مستويات قياسية، وارتفعت أرباح الشركات، فيما ألغت حكومته عدداً من اللوائح البيئية، وسعت إلى دفع مشروعات كبرى في قطاع الطاقة.

وتشمل خطط كارني العمل على إنشاء خط أنابيب قادر على نقل مليون برميل من النفط يومياً، إلى جانب خطط لمضاعفة إنتاج الغاز الطبيعي المسال ثلاث مرات.

وبحسب تقرير لصحيفة «فاينانشال تايمز»، بذل كارني جهوداً لتدارك ما اعتُبر إهمالاً سابقاً لمصالح المقاطعة، من خلال تبني نهج أكثر انفتاحاً تجاه قطاع النفط والغاز، فضلاً عن تحركاته الرامية إلى إقناع الصين بتخفيف الرسوم الجمركية المفروضة على صادرات الكانولا والمنتجات الزراعية الكندية.

وتثير هذه التحولات سؤالاً جوهرياً حول مستقبل النزعة الانفصالية: هل تكفي التنازلات الاقتصادية والسياسات الأكثر تقارباً مع مصالح ألبرتا لاحتواء المطالب بالاستقلال، أم أن الخلاف تجاوز حدود قطاع الطاقة ليصبح أزمة ثقة أعمق بين المقاطعة والحكومة الفيدرالية؟

اقتصاد على المحك

في مقابل الوعود التي يطرحها أنصار الانفصال بشأن تحكم ألبرتا الكامل في ثرواتها وقراراتها، تبرز مخاوف اقتصادية من التداعيات المحتملة لإقامة دولة مستقلة.

فقد أظهر استطلاع أجرته غرفة تجارة كالغاري أن قرابة نصف الأعضاء المشاركين سيفكرون في نقل أعمالهم إلى مكان آخر إذا اختار الناخبون المضي قدماً نحو استفتاء جديد.

كما قدّر تقرير كلفت به حكومة المقاطعة، وفقاً لما أوردته «فاينانشال تايمز»، أن تأسيس دولة مستقلة قد يكلف ما يصل إلى 120 مليار دولار أميركي، أي نحو 170 مليار دولار كندي، على مدى خمس سنوات.

ولا تتوقف المخاطر عند كلفة التأسيس، إذ يحذر التقرير من احتمال تراجع الأجور وارتفاع البطالة وانكماش الناتج الاقتصادي على المدى الطويل بنسبة قد تصل إلى 16 في المئة.

وتضاف إلى هذه الأعباء المالية احتمالات نشوء خلافات بشأن التجارة والحدود والموارد والصلاحيات الحكومية، فضلاً عن التكاليف الاجتماعية والسياسية التي قد تنجم عن انقسام المجتمع حول مستقبل المقاطعة. وهي تداعيات يصعب تقديرها بدقة، وقد يستمر أثرها سنوات طويلة، حتى بعد انتهاء التصويت وحسم مساره الأولي.

هل تجد النزعة الانفصالية دعماً أميركياً؟

لا تنحصر قضية استقلال ألبرتا داخل الحدود الكندية، بل تتقاطع مع توترات أوسع في العلاقات بين أوتاوا وواشنطن، في وقت يفرض فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوماً جمركية على كندا ويطلق تصريحات أثارت مخاوف بشأن مستقبل العلاقة بين البلدين.

وقد وصف كارني التصويت بأنه «خدعة خطيرة»، محذراً من أن الولايات المتحدة تحاول تقسيم كندا لإضعافها وإخضاعها. ودعا الكنديين إلى التعامل مع التصويت باعتباره قضية تمس مستقبل البلاد، مؤكداً ضرورة امتناع الحكومات الأجنبية، بما فيها الحكومة الأميركية، عن التدخل في الشؤون السياسية الكندية.

وفي المقابل، صدرت عن شخصيات مقربة من ترامب تصريحات أبدت انفتاحاً على فكرة استقلال ألبرتا. ففي يناير الماضي، وصف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسينت المقاطعة بأنها قد تكون شريكاً طبيعياً للولايات المتحدة إذا أصبحت مستقلة.

وتكشف هذه التصريحات عن وجود أصوات أميركية تنظر بإيجابية إلى احتمال تفكك الاتحاد الكندي، لكنها لا تعني بالضرورة وجود التزام رسمي من واشنطن بدعم استقلال ألبرتا.

اجتماعات واتصالات تثير التساؤلات

في سياق متصل، سعى قادة في الحركة الانفصالية إلى استكشاف إمكان الحصول على دعم أميركي. ونقلت «وول ستريت جورنال» عن جيفري راث، أحد الشخصيات البارزة في التيار الانفصالي، تعبيره عن ارتياحه لما وصفه بالحماس الذي أبداه بعض الأطراف الأميركية التي تواصل معها.

قرار محلي

من جهتها  تؤكد الإدارة الأميركية أنها لم تقدم أي التزامات بشأن الانفصال إن حدث، فيما شددت وزارة الخارجية على أن القرار يعود إلى سكان ألبرتا وحدهم. كما أشارت «فاينانشال تايمز» إلى مساعٍ من البيت الأبيض للتقرب من حزب ازدهار ألبرتا الانفصالي، في ظل خلافات متصاعدة بين واشنطن وأوتاوا.

ومن جانبه، قال سلفيستر إن المصالح الأميركية لا تؤدي دوراً في حسابات حركته في المرحلة الحالية، وإن التعامل معها سيأتي بعد الفوز وتشكيل الحكومة، مؤكداً أن الحركة لا تنطلق من موقف عدائي تجاه الولايات المتحدة، وأن استمرار التجارة مع أكبر اقتصاد في العالم يظل خياراً منطقياً في نظره.

بين الثروة والسيادة

يضع التصويت ألبرتا أمام نقاش يتجاوز سؤال الانفصال في حد ذاته، ليطال طبيعة العلاقة بين الثروة الاقتصادية والسلطة السياسية، وحدود التضامن المالي داخل الاتحاد، وقدرة الحكومة الفيدرالية على استيعاب مطالب المقاطعات الغنية بالموارد.

فأنصار الاستقلال يرون في الانفصال فرصة لتعزيز السيطرة على النفط والغاز، وتحرير القرارات الاقتصادية من القيود التي يعتقدون أن أوتاوا تفرضها على المقاطعة. أما المعارضون، فيحذرون من أن الانتقال إلى دولة مستقلة قد يفتح الباب أمام تكاليف مالية وتجارية وسياسية ضخمة، ويهدد استقرار الاقتصاد وعلاقات ألبرتا ببقية كندا.

وفي خضم هذه الحسابات، يضيف الموقف الأميركي عاملاً جديداً إلى معادلة معقدة أصلاً، إذ تتداخل المصالح التجارية والطاقة مع التجاذبات السياسية بين البلدين.

مسار طويل

ولا يحسم تصويت الاثنين مصير ألبرتا بصورة مباشرة، لكنه قد يحدد الخطوة التالية في مسار طويل ومثير للجدل. وبينما تبقى الغالبية، وفقاً للاستطلاعات الواردة في التقارير، أقرب إلى خيار البقاء ضمن كندا، فإن مجرد طرح السؤال يكشف عن أزمة سياسية واقتصادية لم تنتهِ بعد، وعن اختبار حقيقي لقدرة الاتحاد الكندي على الحفاظ على تماسكه في مواجهة الخلافات حول الثروة والسلطة ومستقبل الطاقة.