كشفت صحيفة «فايننشال تايمز» عن وجه جديد من وجوه الحرب الهجينة التي تخوضها إيران في الدول الغربية وإسرائيل، يتمثل في تجنيد مراهقين وقاصرين عبر الإنترنت لتحويلهم إلى أدوات للفوضى والتجسس والتخريب.
ووفق التقرير، لم تعد عمليات الاستقطاب تقتصر على جواسيس محترفين أو شبكات منظمة، بل باتت تبدأ من غرف الدردشة، ومنصات الألعاب، وتطبيقات حيث يعرض على اليافعين «مال سهل» بالعملات المشفرة مقابل مهام تبدو في ظاهرها بسيطة، قبل أن تتدرج إلى تصوير مواقع حساسة، أو تنفيذ حرائق، أو المشاركة في عمليات عدائية.
ويركز التقرير على أن إيران، بعد روسيا، وجدت في هذا الأسلوب فرصة لتوسيع عملياتها ضد معارضين إيرانيين في أوروبا، ومحاولة زرع الفوضى في إسرائيل، عبر نمط تجنيد يستغل المراهقين، ورغبتهم في المال والاستقلال عن الأهل، وضعف إدراكهم للعواقب القانونية والأمنية لما يقومون به.
وفق الصحيفة، ظهرت هذه الوسيلة أولاً في أوكرانيا، حيث جرى تجنيد مراهقين عبر الإنترنت لأعمال تخريب وتجسس ونشر دعاية لحساب روسيا. وسرعان ما حذت طهران حذوها، بعدما رأت فرصة لتسريع عملياتها ضد المعارضين الإيرانيين في أوروبا، وزرع الفوضى في إسرائيل.
ويقول دومينيك مورفي، الرئيس السابق لقيادة مكافحة الإرهاب في شرطة العاصمة لندن، إن «الدول المعادية تحاول بالتأكيد استهداف المراهقين». وأضاف أنه فوجئ بحجم التحدي، لأنه بدا وكأنه ظهر فجأة قبل 18 شهراً، ثم فوجئ بحجم اليافعين المستعدين للانخراط عبر الإنترنت، وبالسرعة التي انتقل بها ذلك إلى نشاط في العالم الحقيقي.
ويشير التقرير إلى أن نسبة كبيرة من الاعتقالات المرتبطة بهجمات معادية للسامية في أوروبا، أعلنت مسؤوليتها عنها جماعة «أصحاب اليمين» المدعومة من إيران — والمعروفة أيضاً باسم «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» أو «حايي» — شملت منفذين محليين في دول مثل بريطانيا وفرنسا وهولندا تقل أعمارهم عن 18 عاماً.
وتتبع عمليات التجنيد نمطاً متشابهاً. عادة ما يجري التواصل مع اليافعين عبر قنوات إلكترونية مخفية ويصعب تعقّبها، من «تلغرام» إلى «تيك توك» و«سناب شات» و«فيسبوك» و«ديسكورد». ويعرض عليهم المال، غالباً بعملات مشفرة، مقابل تنفيذ مهام. ويعتمد المجندون على إخفاء هوياتهم؛ وكثير منهم يعملون لصالح جماعات إجرامية قد تكون مستقلة عن الدولة، لكنها تُستقطب من قبل أجهزة الاستخبارات لتنفيذ عمليات سرية.
وبحسب مسؤولي الشرطة والاستخبارات، تستغل إيران جيلاً من أبناء العصر الرقمي لتحقيق أهدافهما في ما يعرف بالحرب الهجينة؛ أي تلك المنطقة الرمادية الواقعة بين السلام والنزاع المسلح.
وفي المملكة المتحدة، بدأ جهاز الشرطة قبل نحو 18 شهراً يلاحظ يافعين «ينفذون استطلاعاً عدائياً لأسباب متنوعة نيابة عن دولة أجنبية»، بحسب مورفي، الذي أشار إلى روسيا وإيران معاً. وقال: «كنا نرى على نحو متزايد شباناً ينخرطون في ما بدا تقريباً كعالم مواز».
وفي إحدى القضايا، استمعت محكمة «أولد بيلي» في لندن إلى أن مراهقاً نرويجياً استُخدم من قبل جماعة جريمة منظمة سويدية يستعين بها النظام الإيراني، لقتل هدف مجهول في المملكة المتحدة. وكان المتهم، يوهانس ناتلاند، قد بلغ للتو 18 عاماً عندما وصل إلى مطار مانشستر، ووجّهه مشغلوه إلى مخبأ سري للأسلحة وسيارة مسروقة، بحسب الادعاء. واعتقل في غرفة فندق في غرب يوركشاير قبل تنفيذ عملية القتل. وكشف تفتيش غرفته عن مسدس نصف آلي، ومسدس دوّار، و12 طلقة حية. وينفي ناتلاند تهمة التآمر على القتل، ولا تزال المحاكمة مستمرة.
ويرصد محققو «يوروبول» أن مراهقين في أنحاء القارة يُستدرجون إلى التنفيذ بطرق مماثلة.
وتقول كاثرين دي بول، المديرة السابقة لـ«يوروبول»، إن الجهات الخبيثة تتجمع في منتديات إلكترونية مثل مجموعات «ديسكورد» اليمينية المتطرفة وقنوات «تلغرام». وقد تكون الجهة جماعة جريمة منظمة تتاجر بالكوكايين، أو مجنّداً إرهابياً، أو دولة تبحث عن أشخاص لتنفيذ هجمات هجينة. وترى أن كل هذه الجهات لديها المصلحة نفسها في العثور على شباب وإعطائهم مهام.
ويقول التقرير إن الرهان الذي وُلد في أتون حرب أوكرانيا يُستخدم الآن شرقاً، في الصراع بين إسرائيل وإيران.
ففي مارس من هذا العام، وُجهت إلى فتى يبلغ 14 عاماً في تل أبيب تهمة الاتصال بعميل أجنبي وتمرير معلومات استخبارية إلى العدو. وبحسب المدعين الإسرائيليين، بدأت طريقه إلى الجريمة قبل 11 شهراً، عندما ردّ على عميل إيراني في «تلغرام» كان يعرض مدفوعات بالعملات المشفرة مقابل مجموعة من الأنشطة التخريبية.
ومضى الفتى في تصوير مقاطع فيديو لمقر وزارة الدفاع والجيش في مجمع «الكرياه» في تل أبيب، وتصوير الأضرار الناجمة عن ضربات صاروخية إيرانية في موقعين، وكتابة شعارات جدارية في أنحاء تل أبيب، بحسب الادعاء. وتلقى أكثر من 1170 دولاراً مقابل خدماته، موزعة على 4 محافظ رقمية منفصلة.
وكان جهاز «الشاباك»، جهاز مكافحة التجسس الداخلي في إسرائيل، قد أصدر تنبيهاً إلى الأهالي، حذر فيه من أن أطفالاً ومراهقين إسرائيليين «تلقوا رسائل تبدو بريئة عبر الإنترنت» تطلب منهم تصوير مبان ومنشآت، وجمع معلومات، ورشّ كتابات كراهية، وتحديد مواقع حساسة. وأوضح أن هذه الطلبات تظهر على معظم المنصات الرقمية، وأن التحقيق أظهر أنها صادرة عن عناصر إيرانية معادية، بهدف تجنيد قاصرين إسرائيليين لأنشطة تجسس.
ويرى ضابط استخبارات سابق في الجيش الإسرائيلي أن الدول المعادية لإسرائيل تستغل شعوراً بعدم الرضا لدى الجيل الأصغر، الذي تعطلت طفولته بسبب النزاعات وإغلاقات كوفيد. وقال إن عمليات التجنيد هذه تنجح لأن طهران أدركت أن الأطفال في إسرائيل ممن تقل أعمارهم عن 18 عاماً نشأوا في أعقاب كوفيد و7 أكتوبر والحرب الحالية مع إيران، ويشعرون إلى حد ما بأن أحداً لا يسمعهم ولا ينصت إليهم.
وأضاف الضابط السابق أن المدفوعات الرقمية تمنح المجندين الطامحين وهماً بالسرية. فبما أن المدفوعات تتم بالعملات المشفرة، يظن الأطفال أنه سيكون من الأسهل عليهم الإفلات بها. وفي اللحظة التي يفتحون فيها المحفظة الرقمية بأنفسهم ويتلقون الأموال، يصبح لديهم اقتصادهم الموازي الخاص من دون علم والديهم، ويرون في ذلك اكتساباً للاستقلال عن الأهل.
ويبدو أن الجماعات المدعومة من إيران تستخدم الاستراتيجية نفسها في أوروبا. فقد كان تورط القاصرين سمة لافتة في الهجمات المعادية للسامية الأخيرة هذا الربيع التي نفذتها «حايي»، وهي الجماعة المسلحة التي وصفتها وزارة العدل الأمريكية بأنها واجهة لتنفيذ الأهداف الإرهابية لـ«كتائب حزب الله» العراقية و«حزب الله» اللبناني والحرس الثوري الإيراني.
واعتُقل مراهقون في بريطانيا وفرنسا وهولندا على صلة بالحوادث التي أعلنت «حايي» مسؤوليتها عنها. ففي فرنسا، كان 3 من أصل 4 من المتهمين في مخطط تفجير أُحبط في باريس في مارس في سن 16 أو 17 عاماً. وفي هولندا، يخضع 4 شبان تتراوح أعمارهم بين 17 و19 عاماً للتحقيق بتهمة إحراق كنيس يهودي في روتردام، أيضاً في مارس.
وفي المملكة المتحدة، حيث كان عدد الهجمات المرتبطة بـ«حايي» أعلى بكثير، تتراوح أعمار الأشخاص الـ3 الذين وجهت إليهم اتهامات على خلفية هجوم حرق استهدف في مارس سيارات إسعاف تابعة لمنظمة «هتسولا» اليهودية في شمال لندن بين 17 و19 و20 عاماً. كما أقر فتى يبلغ 17 عاماً بالذنب في تهمة الحرق بعد حريق في كنيس بشمال غرب لندن في أواخر أبريل. وفي أحدث القضايا، اتُهم رجلان يبلغان 19 و21 عاماً، وفتى يبلغ 16 عاماً، بمحاولة إلقاء قنابل حارقة على مكاتب «فولانت ميديا»، الشركة الأم لمحطة تلفزيونية فارسية في لندن. وقد أُعيد أصغر المتهمين إلى رعاية السلطات المحلية.
ويقول مسؤول أمني لديه خبرة في العمليات الخارجية الإيرانية إن كثيراً من ملامح منفذي هجمات لندن تحمل السمات نفسها التي رصدها «الشاباك» في تل أبيب. وأضاف أن العملاء، في حالات كثيرة، يبدو أنهم جنّدوا أنفسهم ذاتياً في البداية عبر الإنترنت باستخدام تطبيقات، قبل أن يُخصَّص لهم مشغّلون، على الأرجح في الحرس الثوري أو وزارة الاستخبارات والأمن. كما أشار إلى رصد «أنماط تجنيد شبه متطابقة في كل من إسرائيل والمملكة المتحدة».
ويقول مورفي إن الجمهور قد يفهم خطر انجراف الشباب إلى الإرهاب بطريقة ما، لكن القلق نفسه يجب أن يكون موجوداً إزاء قيام شباب بأنشطة نيابة عن دول أجنبية. كما يقول مسؤول في «إم آي 5» إن العصابات الإجرامية والإرهابيين والجهات الحكومية تنجذب حتماً إلى المساحات الإلكترونية نفسها، بما في ذلك منصات الألعاب، لأنها المكان الذي يتجمع فيه الشباب ويتواصلون بأعداد كبيرة.
وفي ختام التقرير، يحذّر جوناثان هول، المراجع المستقل لتشريعات تهديدات الدولة في المملكة المتحدة، من أن الإنترنت أصبح بوابة إلى الشباب، وأن المجتمع بدأ يفهم خطر المتلاعبين في وادي السيليكون، لكنه لم يبدأ بعد التفكير بما يكفي في الفئة الأخرى: المتلاعبون الجالسون في طهران.
