الشباب اللبناني في شوارع بيروت للملمة جراحها

«أخجل أن أقول لك إنني متضايقة أمام شخص لديه قريب تحت الأنقاض. أخجل أن أقول لك أنا منزعجة، أمام شخص فقد بيته. لا تنفع المشاعر وحدها، بل الانطلاق نحو العمل.

اتحدنا وعملنا معاً وأخذنا مساعدات من أشخاص نعرفهم ومن ثم، من حيث لا ندري، وصلتنا المساعدات من طعام ومياه. نحن على الأرض يومياً وتحوّلنا إلى مجموعة تملك النفس ذاته. نحمي البيوت من السرقات ونساعد في تنظيفها وإصلاح مداخل البيوت. كلنا متطوعون وكل مجموعة تحاول بقدر مستطاعها»

خلال حديثي مع هيلدا، صاحبة متاجر ملابس أغلقتها لتجعل من عملها الشارع البيروتي، تقاطعنا سيدة قائلة «ما هو الشي الذي أنتم بحاجة إليه؟ ماذا تريدون؟»

عبارة لعلّها تختصر كل ما يحدث في شوارع المناطق المتضررة من الانفجار الذي هزّ العاصمة بيروت يوم الرابع من أغسطس المشؤوم، مناطق تبعد عن المرفأ كيلومترات مثل حي الكرنتينا والمدور والجميزة ومار مخايل والأشرفية وغيرها.

فالشعور نفسه «إذا انتظرنا هيئة الإغاثة والمساعدات، لن تعود الناس إلى منازلها»، على حد قول هيلدا.

ومهما رأينا من صور وفيديوهات على مختلف القنوات التلفزيونية أو شبكات التواصل الاجتماعي، أن تجول في هذه الشوارع، على مدار أيام، تجربة أخرى.

هذه الشوارع التي طالما كانت مزدحمة بالناس والسيارات، ليلاً نهاراً، باتت مزدحمة بالركام والزجاج والدمار. شوارع لم تعُد تشبه نفسها باتت اليوم تعجّ بخيم المنظمات الأهلية والمجموعات الفردية، بشباب حضر من كل المناطق اللبنانية ووضع جانباً خفّة ولامبالاة سنّه ليسير محملاً بالمكانس والمعدات ويجول بين البيوت والأبنية التي بعضها مهدد بالانهيار (إن لم ينهر أصلاً) ويبحث من أين يبدأ.

في الأيام الأولى التي تلت الانفجار، لم يكن هذا الاندفاع منتظماً أو فعالاً على حد قول كثيرين ممّن التقيناهم أو نعرفهم. جميعهم في اليوم التالي، حضر إلى بيروت لتنظيف منزل جدة أو عمّ أو أخ تضررت أملاكه.

ميشال نزلت لتساعد عمها وشقيقها ولاحظت حجم الأضرار التي ستحتاج إلى أشخاص كثيرين وأيام طويلة متابعة «أحسست بالمسؤولية وأنني أستطيع أن أكون شريكة في حملة التنظيف. فالتنظيف أسهل من إعادة الإعمار. شعرت أنني إذا مكثت في المنزل ولم أفعل شيئاً، سيزداد توتري وقلقي».

مشاعر يتشاركها الجميع حتى أولئك الذين لم يتأثروا مباشرة بالانفجار وهم بالآلاف حضورا إلى المناطق المتضررة عفوياً.

بالطبع، رصّت المنظمات غير الحكومية صفوفها هي التي «اعتادت» على الحالات الاستثنائية. ففي وسط المدينة وعلى طول شارع الجميزة ومار مخايل، نصبت هذه الجمعيات خيمها، كثيرة هي ولن نذكرها كي لا يسقط اسم أحدها سهواً ونقلل من أهمية عملها.

والجدير بالذكر أن العديد من هذه الجمعيات أو حتى المبادرات توزّعت على مختلف المناطق اللبنانية لجمع المساعدات ومن ثم توزيعها على تلك التي تعمل على الأرض.

إلا أن اللافت يبقى اندفاع الأفراد أو المجموعات التي لم تكن يوماً مهتمة بالعمل الإنساني. على غرار هيلدا التي التقيناها في بداية جولتنا أو حتى شباب من منطقة حدث الجبة الشمالية الذين نصبوا خيمة لتوزيع الفاكهة والخضار والمياه والطعام، منتجات حمّلوها، كما يخبرونا، بفضل مساعدات من مغتربي القرية أو حتى سيدات طبخن لتوزيع الأطباق على الشباب وكل محتاج.

عمليات تنظيف لا تنتهي

«إيد بإيد منرجع منعمّر بلد»، هي المقولة على لسان كل من التقيناهم هم الذين أرادوا أن يأخذوا قدَر آلامهم بأيديهم بظل غياب أي مساعدات رسمية.

معظمهم تنظّموا وعادوا في الأيام التالية حيث كانت عمليات المساعدة أكثر فعالية بفضل تنظيم العديد من المجموعات الشبابية والجمعيات على غرار «بوت كامب بيروت» مثلاً، مشروع مشترك بين عدد من المجموعات أو الجمعيات المحلية مثل «مواطن لبناني» و«منتشرين» و«بيتنا بيتك» و«إمبرايس».

رومي المغتربة لم تشأ أن تبقى في مصيفها لا بل شعرت بالحاجة إلى أن تكون في الشارع. وحتى لو أن المبادرة بدأت فردية إلا أنها لجأت إلى «مواطن لبناني» لتكون المساعدة فعالة. «إذا كنت تملك الرغبة الحقيقية في المساعدة، تستطيع أن تنظّم نفسك. توجهنا إلى خيمة «مواطن لبناني» وأرسلونا إلى منزل مدمر بعد منحنا كل المعدات اللازمة. وصلنا إلى منزل كانت صاحبته ما زالت تسكنه على الرغم من الدمار الهائل».

وردة فعل صاحبة هذا البيت على غرار كل أصحاب المنازل الذين عاد بعضهم ليجدها منظفّة هي «المفاجأة» بوجود شباب يساعدونهم من دون مقابل وعبارة يرددونها «كيف نردّ الجميل؟»

جميل لا ينتظر رالف مقابلاً له وهو الذي نزل وأصدقاؤه لتنظيف منازل أقاربه المدمرة فيما هم يخضعون للعلاج في المستشفيات ليعود في اليوم التالي مع مجموعة أكبر من الأصدقاء ويجولون على منازل أكثر الناس حاجة ويساعدون في أن تعود شبه منازل.

من جهته، سامر نظّم نفسه أيضاً بعد أن وصله أن كشافة لبنان اتخذت من مدرسة الحكمة في الأشرفية مركزاً لها وتناشد كل أفواجها التوجه إلى بيروت. ويخبرنا «كوني من القدامى، تطوّعت وألحقوني بفرق لتنظيف وترتيب الردم والزجاج من قلب صفوف في المدرسة. كنّا نحو 350 متطوعاً في ذاك اليوم موزّعين على المناطق».

لم نصعد إلى البيوت التي تشرد منها معظم سكانها حتى لو أننا رأينا بعضاً من المتقدمين في السن يتأملون الخراب من شرف ما تبقى من منازلهم وأحيائهم. أما أصحاب المتاجر فلسان حالهم متشابه.

آراء، صاحب متجر للسجاد القديم، يحاول جمع ما تبقى. «عوض بسلامتنا؟؟ من سيعوّض.. أضراري التقريبية تُقدر بمئات آلاف الدولارات.. اضطررت لرمي العديد من السجاد الممزق..». كثيرون من تجار المنطقة شاء القدر أن تكون متاجرهم مغلقة عند دوي الانفجار، ما أدّى إلى اقتصار الأضرار على المادية منها ويتساءلون عن الجهة التي ستعوّضهم. معظمهم ممتنّ فقط لأنهم على قيد الحياة حتى لو أن الخسائر كبيرة، على غرار صوما، صاحب صالون للرجال «نحن اعتدنا على الخبيط… الله يساعد يلي عندو مفقود أو ضحية».

تنظيف البيوت والمدارس والجامعات والمستشفيات والمتاجر.. باختصار تنظيف كل بيروت بدون أن ننسى تأمين المأوى والطبابة والملابس والطعام لمئات الآلاف… أمام هول الكارثة، لم يجد اللبنانيون متنفساً لكل غضبهم إلا بمساندة بعضهم البعض. فكما قالت سابين «على الرغم من أن ما فعلناه ضئيل مقارنة بحجم الضرر، فقد كان مؤثراً للغاية أن نسمع من ساعدناهم يشكروننا ويباركوننا. لقد جعلونا نشعر أن ما نقوم به من أجلهم ضخم».

جميعهم مدركون أن ما يقومون به ليس كافياً أو مستداماً على المدى الطويل لا بل هو مجرد طريقة لعدم الاستسلام لليأس وحرقة القلب ومواصلة الحلم بوطن يشبههم.

* باحثة اجتماعية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات