السياحة الزراعية في جنوب سيناء

سعى ماجد السعيد على مدى ما يقرب من عشرين عاماً لوضع مجتمعه الجميل والهادئ على الخريطة وتحويل مفهوم السياحة الزراعية إلى نشاط تجاري ملموس يمكن أن تكون له آثار إيجابية هائلة على المناطق الصحراوية في مصر.

كتبت ماديسون كوبر، وهي تعمل مدربة يوجا ومدير مساعد في نادي«ذا كينجز أرمز» بمدينة سالفورد في المملكة المتحدة، قائلةً: «المجتمع هو كل شيء. أحِط نفسك بأشخاص ذوي أرواح جميلة.

وشاهد ماذا سيحدث لك. شعرت بكثير من الحب يخرج من صدري.» بتلك الكلمات كانت تصف ماديسون تجربتها عن الإقامة في قرية حبيبة، وهي منطقة شاطئية نائية تقع في وسط صحراء محافظة جنوب سيناء في مصر.

كان ذلك الشعور بالسلام والسكينة هو الذي دفع ماجد السعيد -المولود في العاصمة المصرية القاهرة-وزوجته الإيطالية لورينا للانتقال إلى مدينة نويبع الساحلية في مصر للاستقرار بها والقيام بمرور الوقت بتدشين مشروع مجتمع حبيبة عام 1994.

مجتمع حبيبة هو عبارة عن قرية تضم نزلاً شاطئياً صديقاً للبيئة ومزرعة عضوية ومؤسسة سيناء للتمور ومركزاً تعليمياً يُدار بالتعاون مع جامعات ومنظمات من جميع أنحاء العالم للترويج لشكل جديد من السياحة التعليمية من خلال استضافة دورات تعليمية تمنح شهادات مهنية في الزراعة المعمرة والأنظمة البيئية الزراعية.

من الجدير بالذكر أن الصحراء تغطي أكثر من 90% من مساحة مصر.

وتُعد شبه جزيرة سيناء جزءاً من الصحراء الشرقية التي تشغل أكثر من 20% من مساحة البلاد مع وجود عدد قليل للغاية من القرى والمدن المأهولة بالسكان على طول الشريط الساحلي للبحر الأحمر.

ويقول ماجد السعيد: «إنني متأكد من أن هناك إمكانات هائلة للاستثمار في صحرائنا الواسعة. وتكمن القيمة الخفية والحقيقية في البشر أنفسهم إذا ما استطعنا أن نتعلم من بعضنا البعض أفضل طريقة للإدارة المتكاملة للموارد».

لكن هذا الأمر قد يسهل الحديث عنه أكثر من تحويله إلى حقيقة على أرض الواقع. لقد قضى ماجد السعيد، وهو رجل في الستينيات من عمره حالياً، ما يقرب من 20 عاماً في العمل على تحويل «السياحة الزراعية» من مجرد مفهوم إلى نشاط تجاري ذي مغزى.

ونجح ماجد في تحقيق ذلك في عام 2009، عندما بدأ السائحون في الذهاب للتطوع في المزرعة العضوية الملحقة بالنزُل لمجرد الاستمتاع بتجربة الحياة في مكان هادئ ومعزول.

قبل الوصول إلى هذه المرحلة، قضى ماجد سنوات عديدة في إقامة سلسلة من الندوات وورش العمل ودعوة خبراء محليين ودوليين متخصصين في مجال الزراعة العضوية لمناقشة نموذج السياحة الزراعية.

وقد تعرف ماجد على هذا المجال للمرة الأولى خلال إقامته في إيطاليا، حيث حصل هناك على درجة البكالوريوس في اللغة الإيطالية وآدابها خلال سبعينيات القرن الماضي.

كانت السياحة الزراعية في إيطاليا قد اكتسبت اهتماماً واضحاً في تلك الفترة، التي شهدت تراجع ربحية الأنشطة الزراعية، وهو الأمر الذي دفع المزارعين في إيطاليا إلى تحويل مزارعهم وبيوتهم الريفية إلى نزل يمكن للسياح الإقامة بها والاستمتاع بتجربة الزراعة.

ويشرح ماجد مفهوم السياحة الزراعية بقوله: «يأتي الناس للاستمتاع بالطبيعة الجميلة والمناطق المحيطة الهادئة، وتناول الطعام النظيف، ويغادرون المكان بأفكار جديدة ومنظور مغاير عن الحياة».

وعلى الرغم من انتشار هذه الفكرة في الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية، فإنها لا تزال حديثة العهد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وتشهد المنطقة حالياً تجارب متفرقة لتطبيق هذه الفكرة، والتي من بينها برنامج ترخيص الذي دشنته الهيئة العامة للسياحة والآثار بالسعودية للمزارع الراغبة في استكشاف مفهوم السياحة الزراعية وتقديم الخدمات المرتبطة به.

وبهدف توسيع نطاق المجتمع الذي يستهدفه، يعمل مركز حبيبة التعليمي على استضافة سلسلة من برامج منح الشهادات، من بينها دورة لمنح شهادة تصميم الزراعة المعمرة المعترف بها دولياً.

والتي تُعطي مقدمة حول أنظمة المعيشة المستدامة المناسبة لمجموعة واسعة من المناطق الطبيعية والظروف المناخية. وتهدف هذه الخطوة إلى جذب المزيد من المتخصصين الدوليين وخلق نوع جديد من السياحة التعليمية.

يمتلك السعيد خطة طموحة للمستقبل، إذ يأمل في أن يتمكن من إنشاء مركز للبحوث الصحراوية داخل مجتمعه.

والبدء بعد ذلك في تكرار هذا النموذج في مدن سياحية مصرية أخرى بحلول عام 2025. واختتم السعيد حديثه قائلاً: «إن هذا الأمر ينطوي على تحد، ولكنه مجزٍ للغاية ويستحق العناء. الناس بطبيعتهم مقاومون للتغيير، لكن عندما يرون نموذجاً عملياً، يصبح من السهل عليهم اتباعه».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات