فنون الفولكلور وفرق اللاجئين العرب

كيف نتعامل مع الدراما التاريخية المحفورة في أجسادنا وكيف يمكننا نسيانها؟

مؤسس فرقة «نفس»، نضال عبده، يحدثنا عن حبه للرقص الفولكلوري الشعبي، منذ الصغر وتحقيق حلمه بتأسيس فرقة «نفس» التي تجمع راقصين عرباً للتعبير، بلوحات راقصة، عن معاناة النفي والوحدة وتداعيات الحرب.

عندما دخل نضال عبده المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، لم يكن الأمر اعتيادياً. فهو كان في عمر التاسعة وأراد تعلّم الباليه الكلاسيكي!

غير أنّ إصرار والدَيه حمله على المثابرة رغم تجربةٍ، في السنوات الأولى، بغاية الصعوبة بسبب نظرة المجتمع. وهنا يخبرنا «بعد بضع سنوات، بدأت أستمتع جداً ووجدت أنه طريقة لإيصال رسالة ومحاولة التعبير عن أحاسيسك بطريقة مختلفة».

وهكذا بدأت رحلة نضال مع الرقص حيث التحق بفرقة إنانا للمسرح الراقص في الشام وبدأ يتطور معها ويتعلّم أنواع مختلفة وجديدة ويكتسب تجربة في الخليط بين الشرقي والتراث والباليه الكلاسيكي.

ولكن، حالما اكتسب نضال التجربة وأصبح اسماً بارزاً في الفرقة، اضطر إلى مغادرة سوريا عام 2010 لتفادي خدمة الجيش وانتقل إلى بيروت ولم يتوقف عن الرقص. فهناك، انضم إلى فرقة كركلا اللبنانية الشهيرة حتى عام 2016.

وهنا يشير «بعد تجربتي والجولة التي قمت بها مع فرقة كركلا، شعرت أن الوقت قد حان لأعمل على تحقيق مشروعي الشخصي الذي كنت أحلم بتنفيذه منذ الصغر، ألا وهو أن أؤسس فرقتي الخاصة التي أحاول الحديث عبرها عن مشاكلنا وعن قصصنا التي نعيشها يومياً».

ولم يبقَ ذلك حلماً لوقت طويل. فبعد أن التقى نضال بشريكة حياته الفرنسية في بيروت، قرر أن يبدأ تجربته الجديدة معها من باريس؛ تجربته كراقص مستقل بعد 12 سنة في فرق مسرحية.

وصل إلى باريس حيث لم يكن يعرف أحد وحلم فرقة نفس يحتل عقله وكيانه. وقرر التوجه إلى برلين حيث لجأ الكثير من أصدقائه الراقصين. ويخبرنا «اجتمعنا وحاولت تأسيس المجموعة لاسيما أن لدينا تاريخاً مشتركاً في اللغة العربية وفي لغة الجسد. وكانت البداية مع عرض»بروجكتيل«مع 11 راقصاً سورياً وفلسطينياً وعراقياً لاجئين في أوروبا».

لكن الوضع كان أصعب مما تخيّل. فلا تنسوا أن نضال كان جديداً في الوسط الفني الأوروبي وأن كل فرد من الفرقة كان يعيش في بلد مختلف. فعاد نضال راقصاً مستقلاً طوال عام لكنه عرف أنه كان تعيساً. ويكشف لنا «أردت أن أعبّر من خلال أعمالي عن تجربتي في الحياة والمشاكل التي يمر بها شعبنا».

فصمّم نضال على إعادة إحياء فرقته وأطلّ مجدداً بفكرة جديدة حيث يخبرنا «اخترت ثلاثة شباب فقط وأن أتطرّق أكثر على كيفية تأثير الحرب علينا وليس عن المجتمع».

وهكذا ولد مشروع «شو إذا بكرا» مع سامر الكردي وعلاء الدين بكر وماهر عبد المعطي؛ عرض ٌتناول اضطرابات ما بعد الصدمة حيث يقول نضال «مهما كان البلد الذي يعاني الحرب، فالحرب بالتأكيد ستَطبع بصمتها فينا وتغيّر مساراتنا وقناعتنا بالوقت».

وأراد نضال من خلال عرضه أن يحاكي الحواس الخمس وأن يطرح العديد من التساؤلات التي ظلت من دون إجابة «كيف نتعامل مع الدراما التاريخية المحفورة في أجسادنا؟ كيف يمكننا نسيانها؟ وكيف يمكننا مواجهة المستقبل ونحن لم نعرف كيفية الخروج من ماضينا المظلم؟

إقبال وردود أفعال إيجابية لاقت عرض»شو إذا بكرا«تعكس، بالنسبة لنضال، واقع أن»السوريين ليسوا فقط أولئك الذين يذهبون في رحلات على متن زوارق الموت وحين يصلون، يسكنون داخل الخيم ويتعذبون للحصول على حق اللجوء، بل لدينا جوانب أخرى من حياتنا، لدينا مخزون ثقافي في بلادنا يكفي لآلاف السنين مستقبلاً«.

ويتابع»يمكننا أن نُري الجميع هذا الجانب ونسلط الضوء عليه. كما نحاول إيصال صورة أخرى عن ثقافتنا للمجتمع الأوروبي بداية والمجتمع العالمي ثانياً«.

الرقص متنفس للفنانين في المنفى حيث يبوح لنا نضال»لحظة صعودي على المسرح أشعر أنني عدت للمكان الذي ولدت وتربيت وتعلمت فيه. عندما أكون على خشبة المسرح، أصوّر روحي وجسدي في مكان آخر، أتكلم عن أحاسيسي التي لا أستطيع إيصالها أو التعبير عنها بالكلمات«.

ولذلك، تبقى أحلام ومشاريع نضال عبده الخاصة بفرقة»نفس«كثيرة. فكما يقول»نفس لن تتوقف، لأن حياتنا تبدأ بنفس وتنتهي بنفس، ونحن مستمرّون).

باحثة اجتماعية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات