مشروع لإحياء المأكولات الفلسطينية القديمة

صورة

ميرنا بامية، مؤسسة مشروع «استضافات فلسطين» تقدم المبادرة التي تجمع بين الفن والطعام من أجل تسليط الضوء على الوصفات الفلسطينية والمكونات التي تختفي والأسباب وراء ذلك.

«طاولة النباتات البرية»، «طاولتنا المقدسية»، «طاولتنا النابلسية»، «عشاء العائلة».... هذه بعض من المشاريع التي تنطوي عليها «استضافات فلسطين» التي أطلقتها الفنانة البصرية الفلسطينية ميرنا بامية عام 2017. فتخبرنا «حاسوبي المحمول هو الاستديو الخاص بي. وفي أي لحظة تختفي فيها هذه التكنولوجيا، أشعر أنّ تجربتي في الفن تغدو هشّة جداً.

لذلك، كنت بحاجة لإيجاد ذلك الحيز الذي يمنحني أرضية ثابتة وفي نفس الوقت جدوى أكبر. فأحياناً، عندما تقولين للناس»أنا فنانة وأنشئ مقاطع فيديو«تشعرين أنهم ينظرون إليك بغرابة حتى بات السؤال حول معنى الفن وقيمة الفن يراود ذهني أكثر من السابق».

فوجدت بامية مُرادها في الطاولات والجولات والخرائط؛ كلّها مشاريع تتطلب الكثير من الأبحاث والتفاني… صفتان تتمتع بهما بامية هي التي تكشف لنا، بشغف، كيف أنها نجحت بجمع الشيئين الأحب إلى قلبها: الفن والطعام في بحثها عن أسباب اختفاء بعض المأكولات ومحاولتها في استعادتها ومعرفة القصص التي كانت حولها.

هو بالفعل مشروع بحثي لكنه أدائي في الوقت ذاته حيث تشرح لنا بامية «يسمى أداء حي لأن فيه التفعيل والبحث المستمر الذي يتعلق بالناس حيث يكون جسد الفنان هو الذي يسرّب كل هذه المعرفة التي جمعها.

وبالتالي، وجودي على الطاولات التي تتّسع عادةً لستين شخصاً، ضروري ودائم، حيث أتكلم عن قائمة الطعام التي تحكي قصة البحث الذي يسلط الضوء على موضوع معين خلال ساعتين من الوقت».

وبالنسبة لبامية، الوصفات الفلسطينية أكثر من مجرد طعام لا بل هي «مكوّن للهوية والوسيط الذي يستطيع الجميع الحديث عنه بدون الإرهاق السياسي».

عملياً، يبدأ كل المشروع بالموضوع الذي تريد بامية البحث فيه والتعلم عنه أكثر وجمع المعلومات حوله وهذه المواضيع لها علاقة عادةً بالمدن.

وتضيف «عندما أقول مدينة كالقدس مثلاً، لا أتكلم فقط عن المدينة بل عن القرى المجاورة لها أيضاً، أو عندما أتكلم عن نابلس فأنا أقصد القرى المجاورة لها أيضاً، أو المكوّنات يعني مثلاً نظمت طاولة مختصة بالقمح وكل تاريخ القمح في فلسطين والأطعمة الفلسطينية التي تحتوي على القمح بأشكاله المتعددة(..)».

فترة البحث تمتد من شهرين إلى ثلاثة تتضمن مقابلة الكثير من الأشخاص وتتبلور بقائمة الطعام التي تتكوّن عادةً من 18 وجبة، وتضم كل القصص التي جمعتها بامية.

غالباً ما تكون هذه المشاريع تكليفات من جهة معينة مثل المتحف الفلسطيني أو غيره حيث يتم بيع تذاكر بأسعار مقبولة. وتخبرنا بامية أن الطاولات التي تنظمها في فلسطين غالباً ما يكون الحضور من الفلسطينيين ما ترحّب به هي التي تريد «إتمام التواصل مع كل هذا المطبخ الذي يختفي».

بامية تهتم بأدقّ التفاصيل؛ فكل ما هو موجود على الطاولة من المناديل وطريقة تقديم الطعام والأطباق مرتبط بأبحاثها.

وتحدثنا بامية عن آخر طاولة تنظمها وهي طاولة غزة الخاصة جداً لأنها تجري الأبحاث من دون القدرة على زيارة المنطقة ولأن مطبخ غزة المحاصر يحكي قصة تسرد قصة الكثير من الفلسطينيين شارحة «بسبب الحصار والوضع السياسي السيء، طرأت تغييرات كثيرة على الوصفات لأن إمكانية الوصول إلى هذه المواد أصبح أقل من السابق وانقطاع التيار الكهربائي أكثر، مما زاد اعتماد السكان على الطعام الأبسط والأسرع ولا يحتاج لعملية حفظ طويلة بعد طبخه في الثلاجة مثلاً..»

كثيرة هي الأمثلة عن المكونات التي باتت تختفي من غزة مثل السمسم الذي كانت تملك مزارع منه أو الطحينة الحمراء الخاصة بأطباق مثل السماقية والرمانية. كما تتوقف بامية عند النباتات البرية التي هي ترجمة حرفية لهذه التغييرات لأن هناك العديد من القوانين الإسرائيلية التي تمنع قطفها مثل الزعتر البري والعكوب وحالياً الميرمية.

وتضيف بامية «هذه القوانين تتحكم بحركة الفلسطيني بذريعة أنها نباتات مهددة بالانقراض لكنها فعلياً ليست كذلك لكن هدفها الوحيد هو فصل وكسر الحركة التي هي جزء من ارتباطنا بالأرض وجزء من ممارسة طقوس المواسم كموسم العكوب وموسم الزعتر، لأنه يملك عنصراً جامعاً يخلقها الطعام».

بالفعل، بالنسبة لبامية «استضافات فلسطين» هي أكثر من مجرد مشروع عن المأكولات القديمة لا بل هو خطوة لصدّ تهميش معرفة المطبخ التي هي فعلياً مركبة قوية تحمل الكثير مثل الذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية وذاكرة المكان وذاكرة التغيرات التي يهمّشها الحوار السياسي والخطابات السياسية، لأن صوتها ليس الأعلى لكنها تحكي قصة أهم بكثير من قصص أخرى نسلط الضوء عليها«.

وهكذا تستمر بامية بطاولاتها ومسارات الأكل داخل فلسطين وخارجه لأنها تريد إسماع هذه الأصوات التي نادراً ما تُنسى هي التي»تؤدي إلى تغيير حقيقي بالنسبة لي في طريقة نظرتنا إلى أنفسنا وإلى الزمن والوقت وإلى احترامنا للطبيعة وكل شيء).

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات