ثنائي مصري يحيي «الكليم» التقليدي

نحاول تطوير الحرفة ومساعدة الحرفيين لنحافظ على جزء من التراث المصري.

إبراهيم شمس أسس مع زوجته نهى الطاهر شركة «كليم» لإعادة إحياء صناعة الكليم أي السجاد اليدوي التقليدي.

نهى وإبراهيم شريكان في الحياة إلا أن حياتهما المهنية، كأي ثنائي آخر، مختلفة، فهو مهندس وهي مصممة جرافيكي، ولكن، طالما أرادا العمل على مشروع له أثر مجتمعي، وتحقق الحلم عندما أنجبا ابنتهما لينا.

فيخبرنا شمس «كنّا نريد أن نفرش لها كليماً في غرفتها، فبدأنا بالبحث على الإنترنت، لكننا لم نجد علامات تجارية مصرية تصنع تصاميم جميلة». وواصل الزوجان البحث عن المتاجر والحرفيين وأصحاب الكليم في المواقع السياحية من دون أن يجدا مبتغاهما لا سيما أن التصاميم كلها مضى عليها الزمن أو المواد المستخدمة غير جيدة.

هذا البحث كشف لهما مدينة صغيرة اسمها «فوة» في الدلتا، شمال القاهرة وهي مشهورة جداً في صناعة الكليم حيث 95% منه في مصر يُصنع فيها. وهنا يقول شمس «رأينا أن هذه الصناعة تموت وأنّ الحرفيين يتركون المهنة (..) كما وجدنا أن هناك أثراً مجتمعياً في محاولتنا تطوير الحرفة ومساعدة الحرفيين من خلال إعادة ممارستهم المهنة. وبالتالي، نحافظ على جزء من التراث المصري الذي يتم توريثها من جيل إلى جيل في البلد هناك».

ويشدد شمس على أن موضة الكليم تتضاءل تدريجياً وتحولت إلى فلكلور يباع في الأماكن السياحية لأن ألوانه وتصاميمه قديمة ولم تعد تليق بتصاميم البيوت الحديثة؛ ما أدى إلى تراجع مبيعات الكليم.

وهكذا بدأ إبراهيم بالسفر إلى فوة لجس النبض فيما أعدّت نهى دفعة من التصاميم على الورق. حملها إبراهيم إلى الحرفيين ليرى أياً منها قابلاً للتطبيق ولدراسة إمكانية تنفيذ المشروع، سواء الخامات والمواد المطلوبة أم دخل الحرفيين واستعدادهم.

وعلى الرغم من بعض رود الأفعال السلبية لا سيما أم البعض كان يعتقد أن هذه الحرفة إلى زوال وأن المشاغل ستغلق أبوابها في السنوات المقبلة، إلا أن إبراهيم قدم لهم حافزاً ليعمل الحرفي على تصاميمه ويطورها مقابل بدل مادي ومعنوي.

وبعد أن بدأت «كليم» بفريق من أربعة حرفيين، يضم اليوم 15 حرفياً، جميعهم من الرجال يتقاضون تقريباً 50% أكثر من الأموال التي كانوا يجنونها عندما كانوا مستقلين، على حد قول إبراهيم.

وعن كون الحرفيين من الرجال فقط، يشرح لنا إبراهيم أن صناعة كليم في فوة حكر على الرجال على عكس العرف السائد في مناطق معينة من الصعيد مثلاً حيث النساء هنّ اللواتي يعملن في المنسوجات.

تعتمد «كليم» إذاً على نخوة الحرفيين في فوة حيث تحتاج صناعة كل بساط معدل 3 إلى 4 أيام؛ كل منهم يعمل في مشغله الخاص حيث يريد إبراهيم أن يبقى الحرفي في بلدته وبين أهله لتزدهر الصناعة القائمة عليها البلدة وإلا «هذه القرى والأماكن ستموت تدريجياً»، على حد قوله.

كل حرفي يتقاضى عمولة 30% من ثمن القطعة التي يصممها؛ قطع تعتمد على التقنية التقليدية وإنما بأنماط عصرية. وهنا يقول إبراهيم إن أول مجموعة أنجزتها نهى كانت مستوحاة من الأنماط التقليدية ولكن أكثر بساطة وبألوان هادئة. بعدها، بدأنا بالتطوير والابتكار في عملية التصميم، وباتت كل مجموعة تأخذ طابعاً معيناً، فعلامة دلتا النيل مثلاً كانت موجودة في جميع التصاميم وتم استخدامها في تصاميم مختلفة.

ويتابع: إن مجموعة أخرى تميّزت بالنباتات في حين اهتموا في مجموعة أخرى بالملمس إلى جانب أنماط التصميم. وهنا يشرح لنا «طوّرنا في ملمس الكليم المتعارف عليه بأنه مسطح، وبدأنا نعمل على كيفية إبراز أماكن معينة، أو نُدخل عناصر إلى الداخل ونبرز أخرى ونخرجها».

«كليم» مشروع تجاري يلقى اقبالاً من الزبائن الذين يبحثون عن الجودة والتصاميم المبتكرة إلا أن هدفه يبقى الحفاظ على الهوية المصرية. فيشرح ابراهيم «نرى أن العلامات التجارية العالمية بدأت تنتشر بطريقة كبيرة جداً وباتت كل الأشياء متشابهة، فما الذي يميز هويتنا المصرية العربية غير تاريخنا وتراثنا؟

لذلك نحاول أن نحافظ عليها، وأن نعرف الناس عليها». ولذلك، يطمح إبراهيم ونهى إلى مساعدة الحرفي على التطور ومواكبة العصر.

فصحيح أن الكليم مصري- فهي موجودة منذ أيام الفراعنة- لكنها موجودة أيضاً في مصر والمغرب وتركيا والهند منذ مئات السنوات وليست مرتبطة بمكان واحد. ويقول إبراهيم «بدأنا نرى تقنيات مختلفة يتم اتباعها في الهند مثلاً، وندرب الحرفي عليها حتى يتقنها. نريد أن ندربه لصناعة منتج جديد يميزنا عن الآخرين في السوق.

وعالمياً، لا نكون متأخرين عنهم»، إلا أن هذه المهمة تصطدم بجدار العمر حيث يكشف لنا إبراهيم أن «أصغر حرفي عمره 49 سنة وأكبر حرفي عمره حوالي 70 سنة، فهناك فجوة كبيرة لأن الأجيال الصغيرة لم تكن تريد تعلم الحرفة». ولا بد من الإشارة إلى فوة كانت تضم بين 2001 و2003 أكثر من 2000 حرفي إلا أن العدد تراجع ليصل إلى 200 حرفي فقط اليوم.

وفي خطوة لتحفيز الجيل الصغير وإقناعهم، يقول إبراهيم «لا أستطيع تلخيص الموضوع في جملة واحدة بقدر رغبتي في أن أقول لهم إن هناك فرصاً جيدة من الممكن أن تحقق لهم حياة كريمة وجيدة وسط أهلهم، وتمكنهم في الوقت نفسه من المحافظة على التراث وعلى الحرفة التي مارسها آباؤهم وأجدادهم منذ آلاف السنين، وإن هذه الحرفة لديها القدرة والمجال لتصل إلى جميع أنحاء العالم».

 باحثة اجتماعية

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات