سينما بديلة لمحبي الأفلام في الإمارات - البيان

سينما بديلة لمحبي الأفلام في الإمارات

في قلب سينما عقيل، التقينا المؤسسة بثينة كاظم، للحديث مطوّلاً عن رحلة سينما عقيل في مختلف أرجاء البلاد، مع باقة من الأفلام العربية والإقليمية والعالمية، إلى أن وجدت منزلاً لها في السركال أفنيو في دبي.

شباك تذاكر صغير، ولافتات ملونة ومتنوعة لأفلام من كل الحقبات والبلدان… هكذا تستقبلك سينما عقيل في مقرها الجديد. تشتري تذكرتك، تمرّ بالمقهى الصغير، لتحمّل بالفشار أو الكرك أو السمبوسة، لتدخل إلى قاعة تحمل، في الوقت ذاته، طابع صالات السينما المعروفة وغرفة جلوس منزلك، إذ تجمع بين الأرائك المريحة ومقاعد السينما التقليدية.

وأكثر ما يجذب نظرك حالما تدخل، هو اللون الأحمر الذي تخبرنا كاظم أنه يُعزى لأسباب تقنية، شارحةً «تاريخياً، كانت دور السينما تختار الأحمر، لأنه يسهل لحظة الانتقال من الظلمة إلى الضوء، إضافة إلى أنه لون دافئ، وتارة هو لون الشغف، وتارة أخرى لون الغضب والمشاعر المختلفة... وكل شيء هنا هو علامة الحب، لا سيما أن كل الأثاث تبرعات».

بالفعل، الأرائك من أشكال مختلفة، هي تبرعات من فعاليات سابقة، إضافة إلى أن مقاعد السينما المتوفرة، كانت ملكاً لجولدن السينما القديم، المبنى الأرت ديكو، الذي بُني عام 1969 في بر دبي، وتم هدمه مؤخراً..

ويبقى أن ما يميّز أيضاً سينما عقيل، هو أنها لا تشبه غيرها من دور السينما التي نجدها في دول أخرى، لا، بل إنها خاصة بالمجتمع الذي تحاكيه. وتقول كاظم «كنّا حريصين على ألا تكون السينما استيراد آخر (..)، أردتها أن تعكس خصوصية المكان، وكيف يتجمع الناس، وماذا يفعلون وما لا يفعلونه. على سبيل المثال، هنا، غالباً ما لا يقترب الناس من بعضهم البعض، على الرغم من أنهم يتعايشون وهم من كل مكان، لكنهم غالباً ما يتقوقعون، وأردنا أن نكسر هذه العادة، من خلال عدم تخصيص المقاعد، ما يسمح أو يُجبر الناس عل التحدث مع بعضهم البعض».

ومن حرصها على أن يتقاسم الناس «الخبز والملح»، يهتم مشروع شاي ولا بالمقهى، حيث تخبرنا كاظم «أعود إلى فكرة الخصوصية الثقافية، فإن دبي متأثرة جداً بالسينما في جنوب آسيا، وهذا جزء مهم. تميزت السينما في الثمانينيات والتسعينيات هنا، بشاشة واحدة، والسمبوسة وشاي الكرك والفشار والفيلم… هي انعكاس للرائحة والحواس».

سينما حديثة بخصوصية إماراتية، وباقة أفلام متنوعة. وعن طريقة اختيارها، تجيب كاظم «هذا هو السؤال الأصعب، لأنه لا توجد طريقة موضوعية. أعتقد أن عملية الاختيار تجمع بين الخبرة والتقييم والميزانية، والنظرة السياسية والاجتماعية، والظروف الزمنية والقيود التقنية..».

أفلام تتبع موضوعاً معيناً، أو خليطاً من كل الأجناس والجنسيات، يتولى اختيارها فريق صغير من أربعة أشخاص، أفلام تتناسب مع ما تسمح به البلاد حالياً، من دون أن تخضع لمقص الرقابة. وهنا تقول كاظم «نحن نسعى فقط للتميز في صناعة الأفلام. وأفضّل ألا أعرض فيلماً على أن أقطّع أجزاء منه بسبب الرقابة. أنا أعي أين نحن، وما هو الوضع، وأعي أيضاً أن طبيعة الأمور تتبدّل، وأن هناك تضافراً للجهود، لإعادة التفكير بطريقة عرض الأفلام».

أفلام تلقى مشاهديها في كل أيام الأسبوع، مشاهدون مستعدون لدفع 50 درهماً، وقد يكونون مختلفين بعض الشيء عن أوائل المتابعين لسينما عقيل المتنقلة والمجانية.. أو لا. فتقول كاظم «تجربتنا التي تمتد على مدار 4 سنوات، كسرت الحاجز بين جمهور النخبة، الذي قد يكون متعوداً على هذا النوع من العروض، وزيارة المعارض والمهرجانات، والجمهور العادي». وتشدد أن السينما المتنقلة المجانية، ما زالت ضمن برنامج عقيل، لا سيما أنها ساهمت في نجاحها، إلا أن كاظم لا تخفي أن استدامة السينما والقدرة على عرض أفلام حديثة، دون الانتظار عامَين، أو أن تعرض في مهرجان دبي السينمائي، تحتّمان التركيز على العروض في السينما المستقرة.

ففي النهاية، ولدت سينما عقيل، لتبقى هي التي أرادت سد ثغرة وحاجة على الساحة الثقافية في مجال الأفلام البديلة، لا تلك التجارية التي تعج بها دور العرض. فأرادت سينما عقيل «ترسيخ التبادل الثقافي بين سكان الإمارات، إحدى أكثر الدول تعددية في العالم، من حيث الثقافات والتجارب الاجتماعية والسياسية، وأن ينعكس ذلك على الشاشة. فدور السينما، هو أن يعكس بعض خبايا واقعنا»، على حد كاظم.

وعلى الرغم من التحديات والمطبات، ترى كاظم أن الساحة الثقافية تشهد العديد من التغييرات الإيجابية. وتقول «فجأة، بدأ الناس يرَون أنفسهم على الشاشة. عندما قررت عرض فيلم «سيات-نوفا» عن الشاعر الأرمني، توقعت أن يحضره 20 شخصاً، إلا أن العكس حصل. فكثيرون من الأرمن أو من أصول أخرى أتوا وأحضروا أصدقاءهم، وكأننا عبر الفيلم نقدم لهم شعوراً بالانتماء». أما التغيير الثاني، هو تقديم نوع ثانٍ من السينما يحتفى به. وهنا تقول كاظم «نعم هناك هوليوود، وهذا رائع، وأنا أحب أن أذهب إلى صالات السينما التجارية الكبيرة مع فشار، لأشاهد أحد أفلام «أفنجيرز». يمكن للمرء أن يجمع بين الواقعين».

بعد أربع سنوات، وأكثر من 60 فعالية إذن، حطت سينما عقيل الرحال في السركال أفنيو، لتعكس إذن خصوصية البلاد التي تضم أشخاصاً من كل حدب وصوب، ولتعكس التغيير الثقافي الذي وجد طريقاً له في البلاد.

* باحثة اجتماعية

Ⅶ باميلا كسرواني *

طباعة Email
تعليقات

تعليقات