في خطوة علمية قد تعيد رسم ملامح أبحاث الشيخوخة مستقبلاً، كشف فريق دولي من الباحثين عن عامل خفي يلعب دوراً محورياً في تراجع طاقة الخلايا مع التقدم في العمر، مؤكدين أن هذا التغير ليس دائماً كما كان يُعتقد، بل يمكن عكسه واستعادة جزء من حيوية الخلايا.
الدراسة، التي نُشرت في مجلة " نيتشر كوميونيكيشنز" ، تقترح تفسيراً جديداً لأحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في علم الأحياء: لماذا تضعف الخلايا مع التقدم في السن، ولماذا يشعر الإنسان بانخفاض تدريجي في النشاط والطاقة مع مرور السنوات؟.
محطات الطاقة
لطالما اعتبر العلماء أن الميتوكوندريا، المعروفة بأنها «محطات الطاقة» داخل الخلايا، هي أحد المفاتيح الرئيسية لفهم الشيخوخة.
فإلى جانب إنتاج الطاقة، تؤدي هذه العضيات الدقيقة أدواراً حيوية في تنظيم التواصل الخلوي والتكيف مع الضغوط البيئية والحفاظ على وظائف الأنسجة المختلفة.
ومع التقدم في العمر، تتراجع كفاءة الميتوكوندريا تدريجياً، ما ينعكس على قدرة الجسم على الحركة والتجدد ومقاومة الأمراض.
لكن السؤال الذي حيّر العلماء لعقود كان: ما السبب الحقيقي وراء هذا التراجع؟
نظرية قديمة
وعلى مدى سنوات طويلة، اعتقد الباحثون أن السبب الرئيسي لشيخوخة الميتوكوندريا هو تراكم الأضرار في الحمض النووي الخاص بها.
إلا أن الدراسة الجديدة تشير إلى أن جزءاً مهماً من المشكلة يكمن في عنصر مختلف تماماً، هو انخفاض مستويات مركب دهني أساسي يسمى فوسفاتيديل كولين، والذي يعد أحد المكونات الرئيسية للأغشية الخلوية، حيث يمنحها المرونة اللازمة للحفاظ على بنيتها ووظائفها الحيوية.
أظهرت الدراسة أن الميتوكوندريا لا تعمل كجزر منفصلة داخل الخلية، بل تتصل ببعضها في شبكة ديناميكية متكاملة تسمح بتبادل الطاقة والمعلومات والجزيئات الضرورية.
لكن مع التقدم في العمر، ينخفض إنتاج فوسفاتيديل كولين، فتفقد الأغشية مرونتها وتبدأ هذه الشبكات بالتفكك والتشظي.
ويشبه الباحثون الأمر بشبكة كهرباء متطورة تتعرض أعمدتها وأسلاكها للتلف تدريجياً، ما يؤدي إلى استمرار إنتاج الطاقة ولكن بكفاءة أقل وقدرة أضعف على توزيعها حيث تحتاجها الخلية.
تجربة قلبت التوقعات
أجرى العلماء تجارب على ديدان مخبرية تستخدم على نطاق واسع في أبحاث الشيخوخة، وعندما أوقفوا الجينات المسؤولة عن إنتاج فوسفاتيديل كولين في ديدان شابة، بدأت الميتوكوندريا لديها بسرعة في إظهار خصائص مماثلة لتلك الموجودة لدى الكائنات المتقدمة في العمر.
لكن المفاجأة الكبرى جاءت عند محاولة عكس العملية، فبعد تغذية الديدان بمركب فوسفاتيديل كولين أو بمادته الأولية «الكولين»، استعادت الميتوكوندريا خلال يومين فقط شكلاً وبنية أقرب إلى الخلايا الفتية.
تدهور خلوي
وتشير النتائج إلى أن بعض جوانب الشيخوخة قد لا تكون عملية أحادية الاتجاه كما كان يُعتقد سابقاً، فبدلاً من اعتبار التدهور الخلوي مساراً لا يمكن إيقافه، توحي الدراسة بأن بعض التغيرات الحيوية قد تكون قابلة للتعديل أو حتى الاستعادة إذا تم التدخل في الوقت المناسب.
ويقول الباحثون إن هذا الاكتشاف ينقل أبحاث الشيخوخة من التركيز على الأضرار غير القابلة للإصلاح إلى دراسة العمليات البيولوجية التي يمكن التأثير فيها وتحسينها.
انخفاض الطاقة
ومن النتائج اللافتة أيضاً أن الباحثين رصدوا انخفاضاً واضحاً في مستويات فوسفاتيديل كولين لدى النساء خلال فترة انقطاع الطمث.
ويتزامن هذا الانخفاض مع مرحلة تشكو فيها كثير من النساء من تراجع مستويات الطاقة والشعور بالإرهاق المزمن.
ويرى العلماء أن هذه الملاحظة قد تساعد مستقبلاً في فهم بعض التغيرات الصحية المرتبطة بهذه المرحلة العمرية.
هل يمكن أن يصبح الغذاء سلاحاً ضد الشيخوخة؟
تشير الدراسة إلى أن زيادة مستويات فوسفاتيديل كولين عبر النظام الغذائي أو المكملات الغذائية قد تساهم في دعم وظائف الميتوكوندريا والحفاظ على كفاءة إنتاج الطاقة داخل الخلايا.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن النتائج الحالية لا تزال في مراحلها البحثية الأولى، وأن الأمر يتطلب مزيداً من الدراسات السريرية للتأكد من إمكانية تطبيق هذه النتائج على البشر بصورة آمنة وفعالة.
مستقبل جديد
يرى العلماء أن هذا الاكتشاف يمثل تحولاً مهماً في فهم الشيخوخة، لأنه يكشف أن بعض مظاهر التقدم في العمر قد لا تكون حتمية بالكامل.
فإذا أمكن الحفاظ على شبكات الطاقة داخل الخلايا أو إعادة تنشيطها، فقد يصبح بالإمكان مستقبلاً تطوير استراتيجيات تساعد على إطالة سنوات الصحة والنشاط، وليس فقط إطالة العمر.
وبينما لا يزال الطريق طويلاً قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات عملية، فإن الرسالة العلمية الأبرز من الدراسة تشير إلى أن الشيخوخة قد لا تكون مجرد عدٍّ تنازلي لا يمكن إيقافه، بل عملية بيولوجية يمكن فهمها وربما التأثير في مسارها أكثر مما كنا نعتقد.



