سلحفاة عمرها 194 عاماً تكشف لغزاً جديداً لطول العمر


لماذا تستطيع بعض الكائنات أن تعيش لعقود طويلة، بل لأكثر من قرن، من دون أن تتعرض أجسامها للتدهور الذي يصاحب الشيخوخة عادة؟ سؤال ظل يحير العلماء طويلاً، وربما تقدم السلحفاة العملاقة «جوناثان» جزءاً من الإجابة.

فقد نجح فريق دولي من الباحثين، بقيادة متخصصين في علم الأعصاب وعلم الجينوم من مؤسسة «فاندربيلت هيلث» الأميركية، في رصد آلية جزيئية قد تفسر جزئياً قدرة هذه السلحفاة، التي يُقدّر عمرها بنحو 194 عاماً، على الحفاظ على وظائفها الحيوية رغم تقدمها الاستثنائي في السن.

وركزت الدراسة على مفهوم «الإنتروبيا»، الذي يُستخدم هنا للتعبير عن مقدار الاضطراب أو فقدان النظام في العمليات البيولوجية مع مرور الوقت. ومع التقدم في العمر، تميل الأنظمة الخلوية إلى فقدان قدر من الدقة في تنظيم وظائفها، وهو ما قد يؤدي تدريجياً إلى تراجع كفاءة الخلايا.

ومن بين أكثر الأنظمة تأثراً بالشيخوخة الميتوكوندريا، وهي العضيات التي تعمل بمثابة مصانع للطاقة داخل الخلايا. ومع التقدم في العمر، يمكن أن تتراجع كفاءتها نتيجة اضطرابات متعددة، من بينها التغيرات التي تصيب آليات تنظيم الجينات المسؤولة عن وظائفها.

«جوناثان» بدت مختلفة

فبعد إعادة بناء خريطتها الجينية وتحليلها، وجد الباحثون أن المناطق المنظمة للجينات المرتبطة بإنتاج الطاقة في الميتوكوندريا حافظت على درجة ملحوظة من التنظيم. وبعبارة أخرى، لم يظهر نمط الاضطراب المتوقع بالدرجة نفسها التي قد ترافق عادةً التقدم الشديد في العمر.

ولفهم هذه الظاهرة، درس العلماء أيضاً «فوق الجينوم»، وهو مجموعة من الآليات الكيميائية التي تتحكم في نشاط الجينات من دون تغيير تسلسل الحمض النووي نفسه. ومن أهم هذه الآليات «مثيلة الحمض النووي»، التي يمكن تشبيهها بمفاتيح تساعد الخلية على تشغيل بعض الجينات وإيقاف بعضها الآخر.

وبالتعاون مع باحثين دوليين، من بينهم عالم الوراثة ستيف هورفاث، المعروف بأبحاثه حول «ساعات الشيخوخة» الجزيئية، اكتشف الفريق أن بعض المحفزات الجينية المرتبطة بوظائف الميتوكوندريا ومعالجة الحمض النووي الريبي (RNA) تتميز بانخفاض «إنتروبيا المثيلة». وهذا يعني أن أنماط التنظيم الجيني في هذه المناطق ظلت أكثر انتظاماً وأقل عشوائية مما كان متوقعاً في كائن بهذا العمر.

ويعتقد الباحثون أن هذه المحافظة على «الدقة الجينية» قد تكون أحد العوامل التي ساعدت «جوناثان» على مقاومة بعض مظاهر الشيخوخة، من خلال الحفاظ على كفاءة المسارات الحيوية المهمة لفترة أطول.

ولا تعني النتائج أن العلماء اكتشفوا مفتاح الخلود، كما أنها لا تثبت أن انخفاض إنتروبيا المثيلة هو السبب المباشر وراء طول عمر السلحفاة. لكنها تقدم فرضية جديدة ومثيرة حول كيفية مقاومة بعض الكائنات للتدهور المرتبط بالعمر.

وقد تفتح هذه النتائج الطريق أمام أبحاث مستقبلية تسعى إلى فهم كيفية الحفاظ على كفاءة الميتوكوندريا واستقرار تنظيم الجينات لدى الإنسان، بما قد يساعد مستقبلاً على إطالة سنوات الحياة الصحية، وليس مجرد زيادة عدد سنوات العمر.

وتبقى السلاحف العملاقة، التي يمكن لبعضها أن يتجاوز عمره 170 عاماً، واحدة من أكثر النماذج الطبيعية إثارة للاهتمام بالنسبة للعلماء الذين يحاولون فك ألغاز الشيخوخة وطول العمر.