أقوى بـ 13 مرة من الطبيعية.. «جلطات ذكية» لمواجهة النزيف المستعصي

في إنجاز علمي قد يغيّر وجه الإسعافات الأولية والجراحة، نجح فريق من الباحثين في كندا والولايات المتحدة في تطوير جلطات دموية اصطناعية تتفوق في قوتها وسرعتها على الجلطات الطبيعية التي ينتجها جسم الإنسان. هذا الابتكار، الذي نُشرت تفاصيله في مجلة «Nature» المرموقة، يعتمد على تقنية متطورة تُعرف باسم «التجلط بالنقر»، ويهدف إلى إنقاذ الأرواح في حالات النزيف الحاد والعمليات الجراحية المعقدة.

تعد الجلطات الطبيعية خط الدفاع الأول للجسم ضد فقدان الدم، إلا أنها في حالات الإصابات البليغة قد تكون بطيئة التشكل وهشة من الناحية الميكانيكية، مما يجعلها غير قادرة على صمود ضغط الدم المرتفع أو تعزيز الشفاء السريع. ومن هنا برزت الحاجة إلى «الجلطات المهندسة التي تم تصميمها لتكون بمثابة «رقع طوارئ» فائقة الفاعلية.

اعتمدت المحاولات السابقة لتعزيز التجلط على تقوية ألياف «الفيبرين» التي تشكل هيكل الجلطة، رغم أنها لا تمثل سوى أقل من 1% من حجم الجلطة الطبيعية. أما الابتكار الجديد فقد ركز على المكون الأكبر: خلايا الدم الحمراء التي تشكل نصف حجم الجلطة تقريباً. يوضح المهندس الميكانيكي «جيانيو لي» من جامعة «ماكجيل» الكندية أن هذه الخلايا، رغم كثرتها، كانت تُعد تقنياً «ضعيفة» ميكانيكياً وعرضة للكسر.

الاختراق العلمي الحقيقي تمثل في تحويل هذه الخلايا من مجرد حشو إلى مواد بناء متينة. ومن خلال تحفيز تفاعلات كيميائية مجهرية سريعة وآمنة، تمكن العلماء من ربط خلايا الدم الحمراء ببعضها البعض بقوة. والنتيجة هي «سيتوجيل» (Cytogel)؛ وهو مادة جيلاتينية حيوية يمكن إضافتها إلى الجلطات الطبيعية لتعزيزها أو استخدامها بشكل مستقل. أظهرت الاختبارات المخبرية وعلى نماذج الجرذان أن هذه الجلطات المهندسة أقوى بـ 13 مرة في مقاومة الكسر و4 مرات أكثر التصاقاً بالأنسجة مقارنة بالجلطات الطبيعية.

تتميز هذه الجلطات الفائقة بقدرتها على التحضير السريع، وهو عامل حاسم في غرف الطوارئ؛ حيث يمكن إعداد الجل في غضون 10 دقائق عند استخدام دم متبرع متوافق، أو 20 دقيقة عند استخدام دم المريض نفسه. وقد أثبتت التجارب التي أجريت على إصابات الكبد لدى الجرذان نجاح المادة في وقف النزيف وترميم الأنسجة دون ظهور أي علامات سمية أو رد فعل خطير من الجهاز المناعي.

هذه التقنية تحمل أملاً كبيراً لفئات معينة من المرضى، خاصة أولئك الذين يعانون من اضطرابات تخثر الدم أو الذين يتناولون أدوية مسيلة للدم. ففي حين أن المسيلات تقلل من خطر الجلطات الضارة (مثل السكتات الدماغية)، إلا أنها تضعف قدرة الجسم على إنتاج جلطات مفيدة عند التعرض لجرح. وهنا يأتي دور «السيتوجيل» ليوفر قوة واستقراراً للجلطة في المواقع المصابة تحديداً، دون التأثير على سيولة الدم في بقية الجسم.

رغم النتائج المبهرة، يؤكد الباحثون أن الطريق لا يزال يتطلب المزيد من العمل قبل اعتماد التقنية في المستشفيات البشرية. فحالياً، لا تزال المادة بحاجة إلى «ضبط دقيق» لتناسب سيناريوهات مختلفة، مثل التعامل مع النزيف الشرياني عالي الضغط، حيث لا تزال القوة الميكانيكية الحالية للجل المهندس غير كافية لمواجهة ضغط الدم المتدفق من الشرايين الكبرى.

بالإضافة إلى ذلك، يجب اختبار «التجلط بالنقر» في مواقف سريرية واقعية لضمان أدائه المستقر عبر مختلف الظروف الصحية. ومع ذلك، يظل التفاؤل سيد الموقف؛ إذ يرى الباحثون أن الجلطات المهندسة تمتلك إمكانات هائلة لتحسين النتائج الطبية في حالات الطوارئ، وإدارة الجروح، والعمليات الجراحية الكبرى، مما قد يجعل من «تعزيز قدرات الجسم الطبيعية» واقعاً ملموساً في المستقبل القريب.