القاهرة ــ عبدالله حماد
ربما يصبح كاتب حديث العهد بالأدب حديث الجمهور في أيام، بينما يمضي آخر سنوات طويلة في الكتابة قبل أن يلتفت إليه النقاد أو تحظى أعماله بالانتشار..
وبين هذا وذاك، تتداخل أدوار النقد الأدبي والجوائز الثقافية ومنصات التواصل الاجتماعي في تشكيل صورة الكاتب العربي ومكانته. لكن هل تعكس الشهرة حجم المنجز الإبداعي، أم أن أدوات الترويج باتت قادرة على صناعة نجومية لا تصمد بالضرورة أمام اختبار الزمن؟
«البيان» تضيء هذه المسألة، من خلال آراء متخصصين:
يقول الناقد والأكاديمي الدكتور يوسف نوفل إن الأصل ألا تنبع شهرة الكاتب أو يذيع صيته من مديح ناقد أو نيل جائزة، مستشهداً بتجربتي نجيب محفوظ وطه حسين، اللتين تكشفان أن المكانة الأدبية لا تتوقف بالضرورة على التقدير النقدي أو الجوائز.
ويضيف لـ«البيان» أن نجيب محفوظ ذاع صيته رغم إخفاقه في مسابقات أدبية خلال أربعينيات القرن الماضي، كما طبقت شهرته الآفاق قبل حصوله على جائزة نوبل، فيما استمرت مكانة طه حسين رغم صدور كتب عديدة تنتقد آراءه وتفندها، وترفض آراءه في كتابه «في الشعر الجاهلي»، بما يؤكد أن الجدل لا يلغي بالضرورة القيمة الفكرية والأدبية.
ويبين أنه تكشف هذه التجارب أن العلاقة بين الشهرة والقيمة ليست خطاً مستقيماً؛ فقد تسبق إحداهما الأخرى، وقد يتأخر الاعتراف بعمل إبداعي سنوات طويلة. كما أن الجائزة، مهما بلغت مكانتها، لا تمثل وحدها حكماً نهائياً على تجربة الكاتب، بقدر ما تمنح العمل فرصة أوسع للوصول إلى القراء.
بين الإنصاف والمصالح
يحذر نوفل من أن الشللية والمصالح الشخصية أسهمتا في تزييف بعض جوانب المشهد الثقافي، عبر تهميش أسماء نقدية أصيلة، مقابل تلميع مواهب لا يتناسب حضورها مع حجم منجزها، حتى يحصل بعضهم على ألقاب تفوق مكانتهم الحقيقية.
ويشير إلى أن الساحة الثقافية عرفت نقاداً كباراً غابت أسماؤهم رغم أصالة تجاربهم، ولم ينالوا ما يستحقونه من تقدير إلا بعد رحيل من حجبوا عنهم الأضواء، في صورة تعكس أثر العلاقات الشخصية في توجيه الاهتمام الثقافي بعيداً عن الاستحقاق.
وحسب رأيه، لا يعني ذلك أن دور النقد تراجع بالكامل، بل إن التحدي يكمن في استعادة قدرته على تقديم قراءة مستقلة للأعمال، بعيداً عن المجاملات أو الحسابات الضيقة. فالناقد لا يصنع قيمة النص بقدر ما يكشف عناصر تميزه، ويضعه في سياقه الأدبي والفكري، ويفتح أمام القارئ أبواباً لفهمه وتأويله.
الشهرة ليست القيمة
من جانبه، يقول الدكتور حسين حمودة، أستاذ النقد الأدبي، لـ«البيان» إن شهرة الكاتب وقيمته تتشكلان بفعل عوامل متعددة، مشدداً على ضرورة التمييز بين المفهومين؛ فهما قد يلتقيان في بعض المستويات، لكنهما يفترقان في مستويات أخرى.
ويضيف، أن النقد والجوائز ومنصات التواصل الاجتماعي يمكن أن تسهم جميعها في شهرة الكاتب، غير أن حضوره عبر الزمن لا يستند إلى الشهرة وحدها، بل إلى قيمة عمله الإبداعي، وما يتضمنه من أفكار وقضايا، وما يضيفه إلى المنجز الجمالي والأدبي.
ويؤكد حمودة أن القيمة أكثر قدرة على البقاء من الشهرة، لأن العمل الإبداعي القادر على التأثير يواصل حضوره بعد انحسار الاهتمام الإعلامي، بينما قد تخفت نجومية ارتبطت بلحظة عابرة أو موجة ترويجية.
انتشار بلا ضمانات
في المقابل، أحدثت منصات التواصل الاجتماعي تحولاً واضحاً في علاقة الكاتب بجمهوره؛ فلم يعد الوصول إلى القراء حكراً على دور النشر والصحف والمجلات الثقافية، وأصبح الكاتب قادراً على تقديم أعماله والتعريف بها مباشرة، فيما أتاحت المقاطع القصيرة والمراجعات الرقمية تداول أسماء وكتب خارج الدوائر الثقافية التقليدية.
لكن اتساع الانتشار، بحسب نقاد، لا يعني بالضرورة تحقق الاعتراف الأدبي؛ فالتفاعل الواسع قد يلفت الانتباه إلى كتاب جدير بالقراءة، وقد يمنح أعمالاً أخرى حضوراً مؤقتاً لا يتناسب مع عمقها أو أثرها. ومن هنا تبرز أهمية الفصل بين نجاح الكاتب في الوصول إلى الجمهور، ونجاحه في تقديم تجربة إبداعية تستحق البقاء.
ويؤكد النقاد أنه بين النقد والجوائز والسوشيال ميديا، لا يحتكر طرف واحد صناعة مكانة الكاتب العربي؛ فلكل أداة دورها في التعريف بالأعمال وتوسيع دائرة قرائها، لكن القيمة النهائية تظل مرتبطة بما يقدمه النص من إضافة فكرية وجمالية.
وقد تفتح جائزة باب الشهرة، ويمنح النقد العمل قراءة أعمق، وتوسع المنصات الرقمية دائرة انتشاره، غير أن اختبار الزمن يظل المعيار الأهم في التمييز بين نجومية عابرة وتجربة أدبية راسخة. فالأسماء قد تتقدم وتتراجع في المشهد، أما الأعمال التي تمتلك القدرة على مخاطبة الإنسان وإثارة الأسئلة وتجديد المعنى، فتبقى الأقدر على ضمان حضورها في الذاكرة الثقافية.





