بعد مرور ستة أشهر على تظاهرات مجموعة من الأساتذة وطلبة المدارس في باريس، طالبوا فيها بسحب كتاب «مذكرات حرب» للرئيس الفرنسي السابق شارل ديغول، من مناهج البكالوريا في فرنسا، خصصت مجلة «الأزمنة الحديثة»، أخيرا، ملفاً ساخناً موسعا، حول الموضوع، يتناول مختلف دقائق وتشابكات هذه القضية، وطرحت ضمنه عدة آراء بشأنها. كما برز، في هذا السياق، إبراز صحيفة فيغارو، في مقال نشر حديثا، لتأكيد كل من المؤرخين أنيس كالو وسودهير هارسينغا، أن هذه الإشكالية مستمرة منذ نصف قرن، ولا تنفك تُطرق بمنظور وزوايا متنوعة، دون الوصول إلى نهاية حتمية، أو خلاصة واحدة متفق عليها.

أثيرت هذه القضية في فرنسا، بعد القرار بإدراج كتاب ديغول «الخلاص»، من مؤلفه «مذكّرات حرب» لينضمّ إلى نصوص هوميروس وصموئيل بيكيت، التي تُدرَّس في البكالوريا-القسم الأدبي في فرنسا. وطبعا ليس الجنرال ديغول غريباً عن الأدب، فلطالما كان يتكلم بلغته الشعرية عن فيكتور هوغو ودولامانيير وفونتين وجان بول سارتر. وكان لدى ديغول ثقافة كلاسيكية اكتسبها عن والده المغرم بالقراءة. وقد شغف بالأدب الكلاسيكي، وكان يقرأ الشعر كثيراً ويكتب غالباً على دفتر خاص به قصيدة تعجبه لينتقي منها بعض السطور أثناء إلقاء خطاب ما. وكان ديغول أيضا مهووساً بالحضارات القديمة: الإغريقية واليونانية. وقد اعتبر الفلسفة جزءاً من السياسة. وقرأ لأدباء الشعب، مثل دولا فونتين وبوسويه، وأحب المسرح الواقعي. ولم يحب يوما الأدباء التجديديين الذين يتطاولون على المبادئ (كما يقول في مذكراته).

وها هو يتجدد السؤال الآن في فرنسا والعالم: هل كان شارل ديغول أديباً؟

الكاتب جان غولميه أصدر كتاباً بعنوان «شارل ديغول الأديب...»، يتحدث في فصل فيه بعنوان «ديغول والأسلوب الأدبي»، عن أسلوب ديغول فيقول إن «الموضوع لا يخلو من الأهمية فإنه بقوة العبارة تمكّن من الارتقاء إلى مستوى أعمال فنية أدبية بكتابات».

كما قال الروائي وكاتب السير الذاتية بيار أسولين لوكالة فرانس برس: «ديغول كاتب. وأحد أهم الكتاب. إنه كاتب لامع. لم يعترض أحد عندما تلقى تشرشل جائزة نوبل للآداب عام ‬1953، مع أنه كتب مذكراته بمؤازرة مجموعة من ‬50 مساعداً! ديغول نفسه كان يحلم بالفوز بجائزة نوبل...»، ويضيف أسولين: «هذه الجدالات ذات طابع فرنسي بامتياز. الناس لا يميزون بين الأدب والرواية، وبالنسبة إلى الكثيرين، لا أدباء سوى الروائيين. هذا ما أسميه بطغيان الرواية. ديغول ليس مؤرخاً. مذكراته تدل على مهاراته ككاتب مذكرات ومؤلف عظيم. مقاطع كثيرة تستحق أن تكون موضع دراسات أدبية، لمقارنتها مع مؤلفات هوغو وبيغي والأعمال الأدبية الإغريقية».

والمعروف أن الجنرال ديغول كان محاطاً بعدد كبير من أبرز الكتاب، مثل: أندره مالرو وفرنسوا مورياك. ولكن اللافت هنا أن سارتر كتب ضد ديغول آنذاك في مجلته الشهيرة «الأزمنة الحديثة». كما انه وعندما تم إلقاء القبض على سارتر أثناء التظاهرات ضد حكم ديغول، أمر الأخير بإخلاء سبيله. وقال (مشبها سارتر بفولتير): «لا أحد يسجن فولتير، أو أنكم تسجنون فرنسا».