بخطوات متعثرة ونظرات ترقب الطريق إلى الشارع العام حيث يركن سيارته، خرج من «السبا»، في هيئة تثير الاستغراب، محاولاً إعادة ترتيب شعره والاطمئنان على مظهره الخارجي، يبدو في حالة غير متزنة من تأثير زيارة إلى المنتجع الصحي، تنتهي بعد الثانية عشرة صباحاً.. ابتسامة ومشية متقطعة، ينظر إلى الوراء قليلاً.. يكمل مشيته نحو الباب، ليتأكد إن كان أحدهم يرقب خروجه..
ثوان فصلت بين خروجه المتعثر، وخروج آخر العاملات بالتصرف المريب ذاته، تأكدت من إطفاء الأنوار وإغلاق الباب بالمفتاح.. واتجهت مسرعة نحو محطة المواصلات القريبة..
«السبا» الواقع على الشارع العام، يشهد إقبالاً واسعاً.. فالمرآب الأمامي لا يخلو من السيارات الفخمة على مدار اليوم، يبدو اليوم مهدداً من منافسين جدد، حيث يضم الشارع 4 فلل فخمة تقدم خدمات «السبا» وتمتد على أقل من كيلومتر واحد من الشارع ذاته، يعني يتجاوز عدد البقالات...
الـ«السبا» أو المنتجع الصحي مفهوم أصبح متداولاً مؤخراً بشكل لافت، مع العلم بأنه مفهوم جديد على الثقافة المحلية المحافظة، على الرغم من وجودها من زمن في الفنادق كاختيار توفره للنزلاء الراغبين في الاستجمام والراحة. وبينما كانت النساء قد اعتادت التردد إلى الصالونات، ولم يجد الرجال مفراً من الحلاق، ظهر «السبا»، الذي يجمع تحت سقفه تلك الخدمات وأكثر من ذلك من جلسات التدليك العلاجي والتنحيف وتنظيف البشرة والحمامات العربية والشرق آسيوية، وما خفي أعظم.
في مشهد آخر.. تزدحم البوابة المؤدية إلى غرف المساج الشرق آسيوي، الواقعة في أحد أماكن ترفيه العائلات، السيدات والآنسات بانتظار أدوارهن إلى غرف المساج، المشهد ينتهك الخصوصية، والمكان حتماً يفتقر إلى شروط النظافة والراحة، فالمطاعم القريبة تنفث دخان شواياتها إلى الهواء المحيط، والموسيقى الصاخبة لا تتناغم وجلسات الاسترخاء.
* * *
تعرفت الثقافة العربية والإسلامية إلى «السبا» في القرن الأول الهجري، حيث انتشرت الحمامات الجماعية في دمشق، والتي لا تزال تُكسب أقدم عواصم التاريخ بعداً ثقافياً وحضارياً، ويُقال إن ظهوره كان نتيجة امتداد العائلة، وصعوبة وجود حمام واحد داخل المنزل يفي بغرض الجميع وبأسعار رمزية، فظهر حمام السوق كما درجت تسميته ليخدم زائريه، حيث خصصت حمامات للنساء وأخرى للرجال. وشكّل الحمام نقطة تلاقي وتسامر أهالي المنطقة، ومظهراً أساسياً في الحياة الاجتماعية قديماً.
في الـ «سبا» بمفهومه الحديث تخدم النساء الرجال، ويمكن للرجال التواجد في «سبا» النساء، ولا قوانين ملزمة في عدم الاختلاط، ولا رادع للبعض من ارتياد تلك الأماكن التي تقدم خدمات في صيغة تجعله مكاناً مشبوهاً.. لا سيما حينما يتسلل مرتادوه خفية عن الدخول إليه والخروج منه.. في ساعات متأخرة من الليل..
يؤكد البعض أن توفر المنتجعات الصحية في المدينة، يجعلها اختياراً مفضلاً لقاصدي الراحة والاستجمام، ويرسخ صورتها كوجهة سياحية، ونؤكد.. إن كانت في إطارها المناسب، ومكانها الصحيح، بلوائح وشروط تنظيمية لا تخل بالمنظر العام للمدينة..
وإلا أصبح لكل منّا «سبا»..
