في إطار الحراك السينمائي الذي تشهده المنطقة العربية وتوفير المهرجانات السينمائية فرصا غير مسبوقة لمخرجي الأفلام لإنتاج أعمالهم وعرضها، جاءت ندوة (الإنتاج المشترك ضمن المنطقة) التي أقيمت أمس على هامش فعاليات مهرجان دبي السينمائي، حيث أثارت نقاشاتها العديد من التساؤلات حول إمكانيات تحقيق ذلك، في ظل عدم وجود سوق حقيقية للسينما العربية باستثناء مصر، وسيطرة ‬60٪ من الأفلام الهووليودية والبووليودية على شباك تذاكر صالات السينما داخل العالم العربي، وظهور محاذير تفرضها بعض المجتمعات العربية تضيق من خلالها مساحة الحرية في طرح قضايا بعينها، بخلاف عائق اللهجات المختلفة وعمليات التمويل والترويج والتوزيع وتدهور وقلة عدد صالات العرض. وفرضت تلك المشاكل صورة قاتمة لواقع مأساوي أضاء جزءا منها محمد حفظي المنتج وكاتب السيناريو المصري وجورج شقير المنتج اللبناني بالإعلان عن مشروع مشترك بينهما، فهل تكفي المحاولات الفردية والنوايا كما يقول علاء كركوتي المحلل السينمائي الذي أدار الندوة للوصول بصيغة الإنتاج العربي المشترك إلى التنفيذ الفعلي؟!

يرى المنتج المغربي فؤاد شالا، أن هذا الحلم قابل للطرح وأيضا التنفيذ ويقول: ما أحوجنا إلى الإنتاج العربي المشترك، خصوصاً في ظل الظروف الراهنة، لأنه يساعد في مواجهة غزو الآخرين السينمائي لشاشاتنا العربية، ومن خلاله سيتم إنتاج أعمال كبرى تنهض بالصناعة، شرط أن تتوجه مواضيع الأفلام إلى القصص الإنسانية وتبتعد عن المحرمات.

 

تجربة ماريان

ويشير محمد حفظي إلى أن المحاولات السابقة تمثلت بعد التمويل في مشاركة نجم أو اثنين من الدول المتعاونة من أجل ضمان تسويق تلك الأعمال، لكن الجمهور ذكي ويفهم ذلك سريعا، هذا بالإضافة إلى أن الجمهور المصري لا يهتم بالأفلام غير المصرية، لكن تجربة ماريان خوري الأخيرة بالقاهرة من خلال عرضها أفلام تحت عنوان «بانوراما أوروبية»، لاقت نجاحا وأكدت أن الأمر مجرد عادة يمكن أن يتخلص منها إذا قدمت إليه بالفعل نوعية جيدة من الأعمال.

ويضيف حفظي: مفردات الإنتاج المشترك تتلخص في قصة الفيلم التي يجب أن تكون جذابة، بالإضافة إلى طاقم التمثيل، خصوصا أن نوعية الأعمال المستقلة تهدف إلى اكتشاف واستثمار المواهب في مجالات مختلفة وهذا ما قدمته في أعمال مثل «هوليوبولس» و«ميكرفون»، ولا يجب أن ننسى دور المحطات الفضائية في التمويل أو الاعتماد على دعم من بعض الدول العربية أو الأوربية مثل فرنسا أو ألمانيا وسويسرا.

ويؤكد جورج شقير أن السوق المصري من أكبر الأسواق السينمائية في المنطقة والذهاب إليه ليس سهلا، ويسترسل قائلا: أنا متفائل فقبل خمس سنوات لم يكن هناك حراك سينمائي لكن المهرجانات وظهور بوادر سوق سينمائي في بعض الدول العربية، ساهم في ضرورة طرح إنتاج مشترك على طاولة المفاوضات للعمل على تسويق الأفلام في المنطقة، والأهم الخروج بالفيلم إلى السوق الخارجي في دول الاتحاد الأوربي وأميركا.

 

انتاج مشترك

ويتمنى فؤاد شالا أن يصل صنّاع السينما العربية إلى إنتاج مشترك أسوة بما يحدث في جميع دول العالم، ويقول: في المغرب لا يوجد لدينا تمويل كافي من قبل الحكومة للأفلام، والأمر لا يعدو عن كونه مسابقة يدخل فيها ‬15 عملاً المنافسة لينتهي الموضوع إلى تقديم دعم لثلاثة أفلام بنسبة ‬30٪، وبالتالي نلجأ إلى البحث عن إنتاج مشترك في فرنسا وألمانيا.

ويتفق حفظي مع فكرة عدم تمويل الدولة المصرية للأفلام، مؤكدا أن دعم وزارة الثقافة أمر مستحدث منذ ‬3 سنوات ويتكرر هذا العام من خلال منحة توزع على بعض الأفلام الجادة من ميزانية مقدارها ‬20 مليون جنيه مصري، بمقدار ‬3 أو ‬4 مليون جنيه لكل فيلم، فيما نفى تماما جورج شقير أي أموال أو حوافز تقدمها الدولة اللبنانية للأفلام.

وأشار محمد حفظي إلى المحطات الفضائية التي تلعب دورا في جعل الفيلم أكثر عالمية، وعندما يتم عرضه يساعد ذلك في ترويجه وتحقيق إيرادات، هذا بخلاف قيام بعض التلفزيونات في المشاركة أو تحمل ميزانية الإنتاج ما يساعد في تخفيف أعباء تكاليفه، واقترح حول سؤال عن مدى تقبل المشاهد المصري لأفلام عربية أخرى في صالات العرض قائلا: يمكن أن تكون البداية من خلال صالة عرض واحدة للتأكد من هوية الفيلم المصري وبعدها يمكن طرح ‬8 نسخ، ورغم صعوبة الأمر لكن مع الوقت يمكن أن يتعود الجمهور المصري، والأمر يحتاج فعلا إلى محاولة أولى تنجح لتكرر التجربة في محاكاة واستثمار لها.

ويرى جورج شقير أن عدم وجود وكالات توزيع للأفلام المستقلة في المنطقة يمكن أن تجعل فرص عرضها ضعيفة، منوها إلى ضرورة الاهتمام بالمستوى والإرادة والنوعية مع الاستفادة من المهرجانات السينمائية في تثقيف الجمهور تجاه تلك النوعية الخاصة من الأعمال لفتح أسوق لها.

ويواصل فؤاد شالا الحديث عن الإنتاج المشترك قائلا: يجب أولاً أن نصل إلى تحقيق إنتاج محلي ناجح، وبعدها نركز على الدول المنتجة للأفلام مثل سوريا ولبنان والمغرب ليدخل منتجوها في تعاون مشترك حول مشاريع سينمائية، وفي ظل المهرجانات السينمائية وجوائزها المالية وأسواقها المتعددة يمكن أن تتوسع دائرة الأفلام وتتنوع موضوعاتها وتصل إلى الرواج العالمي.

وحول فكرة دبلجة الأفلام المغربية لتحقيق انتشار لها نظرا لصعوبة فهم لهجتها، قال فؤاد: من خلال الدبلجة يصل الفيلم إلى أكبر شريحة من الجمهور، واللغة ليست هي الوسيلة للتعرف إلى ثقافات أخرى، والدبلجة تساعد ولا تعيق العمل السينمائي ومن خلالها يتعرف الآخرون على ثقافتنا وهويتنا.

وفي مداخلة ليوسف شريف رزق الله المدير الفني لمهرجان القاهرة السينمائي والمنسق الخارجي لمدينة الإنتاج الإعلامي بمصر قال: أتاحت المدينة الفرصة لمنتجين عرب وأجانب للتصوير بها، ونجحنا بالفعل في جذب أفلام أجنبية ولا يزال الموقف غامضاً تجاه عزوف الأفلام العربية عن القدوم، وأنتهز الفرصة لأجدد الدعوة لهم، أما بخصوص تسويق الأفلام في المنطقة فأشير إلى أن غالبية صالات العرض متهالكة وعددها ضعيف جدا في بعض الدول مثل سوريا والمغرب، هذا بخلاف عدم اعتياد البعض على نوعية الأفلام المستقلة، وأقترح عرضها أولاً على الفضائيات لضمان الرواج لها وتكوين جمهور يذهب إليها في صالات السينما مستقبلا.

وعلق محمد حفظي حول سؤال عن تقييم تجربة الإنتاج المشترك خلال السنوات المقبلة قائلا: لا أحد يدري، ولكن المهرجانات السينمائية يمكن أن تلعب دورا مهما في هذا المجال وتحقق تقدما في السير بهذا الاتجاه.