السبت 16 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 17 مايو 2003 مارست إسرائيل أمس ضغوطاً عسكرية وابتزازاً سياسياً على الفلسطينيين لتمرير مطالبها بتعديل خطة «خريطة الطريق» قبل الموافقة الرسمية عليها، وتمثل ذلك باجتياح واسع لشمال قطاع غزة وإعلان استحالة قبول الخطة بدون التعديلات الأربعة عشر التي تريدها، وتأتي هذه الضغوط قبل يوم من اللقاء المقرر بين رئيسي الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون والفلسطيني محمود عباس أبو مازن وقبل أيام من لقاء اخر يجمع شارون مع الرئيس الأميركي جورج بوش في واشنطن الأسبوع المقبل. وسط تسريبات ان شارون سيقترح على بوش في حال عدم تعديل الخطة تنفيذ المرحلة الأولى منها والمرتبطة بالشق الأمني فقط. وعشية لقاء أبومازن وشارون واجهت الحكومة الفلسطينية أول أزمة منذ تشكيلها قبل عدة أسابيع بإعلان وزير شئون المفاوضات فيها صائب عريقات استقالة نهائية احتجاجاً على استبعاده من اللقاء مع شارون وعلى طريقة أبومازن في ادارة الاتصالات مع اسرائيل. فقد قامت قوات اسرائيلية كبيرة تدعمها سبعون دبابة وعربة جند باعادة احتلال بلدات شمال قطاع غزة وعاثت فيها دماراً واعتقلت العشرات من الفلسطينيين وذلك بعد يومٍ دامٍ قتلت خلاله تلك القوات ستة فلسطينيين. ودمّر جيش الصهاينة خلال الاجتياح نحو 90% من أراضي بيت حانون الزراعية ونسف منزلين وعمد إلى هدم مصنع للأدوية ومقر للأمن الفلسطيني في هذه المنطقة بعد أن اغتال جنوده بدم بارد مدنياً فلسطينياً قرب رفح جنوب القطاع الليلة قبل الماضية وهو ما لم يفلح في وقف صواريخ وقذائف المقاومة التي ضربت مجدداً مستوطنة سديروت اليهودية ومعبر بيت حانون. ويأتي التصعيد الاسرائيلي باستخدام القوة مرتبطاً كما يبدو باللقاء المرتقب بين شارون وأبومازن مساء اليوم السبت لبحث «خريطة الطريق» كبند وحيد على جدول الأعمال، كما صرح أبومازن للصحفيين عقب استقباله أمس خافيير سولانا منسق السياسات الخارجية الأوروبية الذي التقى أيضاً ياسر عرفات الرئيس الفلسطيني. فيما صرح شارون ان اللقاء سيتناول الجوانب الأمنية التي تنطلق منها «خريطة الطريق». ولتحقيق ابتزاز سياسي من الجانب الفلسطيني المتعجل لتنفيذ الخطة خلال اللقاء، أعلن وزير الخارجية الاسرائيلي سيلفان شالوم عقب لقاء مع توني بلير رئيس الوزراء البريطاني في لندن أمس ان اسرائيل لا يمكن أن تقبل «خريطة الطريق» دون اجراء 14 تعديلاً عليها، دون أن يوضح ماهية تلك التعديلات، معتبراً ان القبول بالخطة دون تعديل يعني اطاحة حكومة شارون واجراء انتخابات جديدة، ما سيؤدي لمزيد من التأخير. ورفض في الوقت نفسه وقف التوسع الاستيطاني الذي تطالب به الخطة، متحججاً بما أسماه النمو الطبيعي للسكان. وبدا واضحاً ان الابتزاز السياسي والضغط العسكري يرتبطان بلقاء اليوم بين شارون وأبومازن، وان شارون يسعى لانتزاع موافقة الجانب الفلسطيني على التعديلات الاسرائيلية ليقدمها الى الرئيس الأميركي جورج بوش خلال لقائهما الثلاثاء المقبل ليتفادى بذلك أي ضغط أميركي للقبول بالنص الأصلي للخريطة ما دام يحمل موافقة بالتعديل من الطرف الفلسطيني. وفي حال الفشل في انتزاع أي موافقة فلسطينية على التعديلات، قالت صحيفة «معاريف» ان شارون سيحمل الى بوش اقتراحاً يقضي بقبول اسرائيل بالمرحلة الأولى فقط من الخطة التي تركز على الجوانب الأمنية وبعدها ينظر في المراحل الأخرى. وأضافت الصحيفة ان شارون سيقول لبوش «إلى أن يختفي عرفات ويكف عن أن يكون جهة مؤثرة فلا يمكن أن يكون هناك أي تقدم» حيث يحمل معه اتهامات للرئيس الفلسطيني بأنه يوجه عبر قنوات عديدة بتصعيد عمليات المقاومة. وتعليقاً على الموقف الاسرائيلي صرح المتحدث باسم البيت الابيض آري فلايشر أمس الجمعة بأن الرئيس جورج بوش لا ينوي ادارة عملية السلام في الشرق الاوسط لحظة بلحظة. وقال فلايشر في مؤتمره الصحافي اليومي «اعتقد ان الرئيس لن يترك نفسه يدخل في شرح التصريحات الاخيرة لهذا الطرف او ذاك في الشرق الاوسط لحظة بلحظة وكلمة كلمة. فهذا ليس الاسلوب السليم لتحقيق النجاح في الشرق الاوسط». وأدلى فلايشر بهذا التصريح ردا على سؤال عن تصريحات شارون الذي اعلن رفضه تجميد الاستيطان في الاراضي الفلسطينية رغم انه من البنود الاساسية في «خريطة الطريق». وبشأن اللقاء المقرر بين بوش وشارون الثلاثاء المقبل، قال المتحدث باسم الرئاسة الاميركية انها «لحظة مهمة في الشرق الاوسط والرئيس سيدفع رئيس الوزراء وكذلك الفلسطينيين وجيرانهما العرب الى انتهاز الفرصة». وكرر فلايشر استعداد الرئيس الاميركي لدعوة رئيس الوزراء الفلسطيني الجديد محمود عباس الى واشنطن الا انه لم يحدد تاريخا. وفيما تستمر اسرائيل في استخدام قوتها العسكرية وبعد التصريحات المتشددة التي أطلقها شارون وتعهد فيها بعدم تغيير سياسته الاستيطانية، اعتبر بعض المسئولين الفلسطينيين ان أبومازن باجتماعه مع شارون يقدم خدمة لرئيس الوزراء الاسرائيلي قبل زيارته الى البيت الأبيض. وفي غياب أي بادرة اسرائيلية منذ نشر خريطة الطريق قبل أكثر من اسبوعين، شكك أحد كبار مساعدي عرفات في ضرورة عقد مثل هذا الاجتماع. وطالب نواب فلسطينيون مستقلون بالغاء الاجتماع بعد الغاء جلسة خاصة للبرلمان لاحياء ذكرى «النكبة» وقيام دولة اسرائيل عام 1948 بسبب منع اسرائيل العديد من النواب الفلسطينيين من الوصول الى مدينة رام الله بالضفة الغربية. وعشية لقاء شارون وأبومازن أثار وزير شئون المفاوضات في الحكومة الفلسطينية صائب عريقات أمس أول أزمة حكومية مع اعلان استقالته. وقال عريقات انه أبلغ كلاً من عرفات وأبومازن قراره هذا، فيما طالبه الأخير بمهلة أسبوع لاعادة النظر بقراره الذي نقلت «يديعوت أحرونوت» عن مقربيه قولهم انه «نهائي». وقالت مصادر فلسطينية ان عريقات استقال احتجاجاً على استثنائه من اللقاء مع شارون وهو الذي يتولى ملف المفاوضات في حكومة أبومازن، اضافة الى استيائه الشديد من أسلوب الأخير في ادارة الاتصالات مع الاسرائيليين. ونقلت المصادر عن مقربي عريقات قولهم ان الوفد الذي سيقابل شارون المشكل من أبومازن واحمد قريع رئيس المجلس التشريعي ومحمد دحلان وزير الشئون الأمنية لا يعبر عن تمثيل حقيقي للقيادة الفلسطينية في الداخل، بل للقيادة العائدة الى الوطن من تونس. وأوردت المصادر اتهامات لـ «قيادة الخارج» بالفساد المالي وان «الفلسطينيين سيبقون على حالهم المزري لسنوات عديدة نتيجة لسياسة الفساد هذه». وأكد نبيل عمرو وزير الإعلام في السلطة الفلسطينية ان رئيس الوزراء لم يقبل استقالة عريقات، مرجحاً ان يسحب الأخير هذه الاستقالة. وقال في تصريح بثته وكالة الانباء الفلسطينية ان عريقات قدم استقالته بالفعل «لكن استقالته لم تقبل». وأوضح ان موضوع استقالة عريقات سيناقش في الاجتماع الاسبوعي لمجلس الوزراء الفلسطيني الذي يعقد اليوم لأول مرة في مدينة غزة. ورجح عمرو ان يستأنف عريقات عمله «المهم قريباً بعد زوال الأسباب التي دعت الى استقالته». ولم يفصح عمرو عن الاسباب التي دفعت عريقات الى الاستقالة، مكتفياً بالقول «ان له دوافع يمكن تفهمها». كما ذكرت مصادر فلسطينية ان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي يعتبر عريقات مقرباً منه طلب من الأخير سحب استقالته. ـ الوكالات
