الجمعة 15 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 16 مايو 2003 تحولت المكالمات الهاتفية الدولية إلى حلم يسكن كل عراقي يسعى للتواصل مع أهله وعشيرته خارج الوطن المنكوب بحصار دام 12 عاما وحروب أهدرت ثرواته وبددت استقراره ومسيرة نهضته، لدرجة تحولت خدمة مكالمة لكل مواطن والتي لا تزيد مدتها على دقيقتين وتقدم مجاناً من الصليب الأحمر الى نقطة جذب للعراقيين الذين يصطفون في طوابير أمام مكاتب الصليب الأحمر. ويسمح موظفو الصليب الأحمر للمصطفين بالخارج بالدخول في مجموعات متلاحقة من عشرة أفراد، لتجد كل مجموعة طاولة مصطف عليها عشرة هواتف لكل منها رقم تعريف خاص، ويأخذ الموظف المختص بكل هاتف الرقم المطلوب من المواطن ويقوم بالاتصال ويعطي السماعة للمواطن لمدة دقيقتين فقط. لا تسمح الدقيقتان الا بقليل من التفاصيل. فمجرد وصول الرسالة ـ سواء كانت مفرحة أو محزنة ـ كاف في حد ذاته في الوقت الراهن للطرفين المتصلين. وهناك الآلاف من العراقيين الذين لم يتمكنوا حتى الآن من الاتصال بالأقارب المقيمين بالخارج على الرغم من مضي أكثر من شهر على انتهاء الحرب. ولهذا فقد لاقت تلك النوعية من المعونة غير التقليدية التي قدمها الصليب الأحمر لهؤلاء الناس، نجاحاً جماهيريا غير مسبوق. تقول «نجاة يحيى» أن أخيها المقيم بالسعودية انخرط في البكاء حين سمع صوتها وعرف انها لا تزال على قيد الحياة. وتضيف انها كانت تتمنى أن تطول المكالمة قليلاً، ولكن «خالد طعمة» كان في انتظار دوره بفارغ الصبر، ويتلقف السماعة ليحادث أخاه في بريطانيا وترتسم على وجهه إبتسامة عريضة . وتقول منى جرجي من الصليب الأحمر انهم احياناً ـ وفي حالات خاصة ـ يشفقون على المتصل، ويتفاعلون معه إنسانياً، حين ينخرط في بكاء غير إرادي يمنعه من الحديث بعبارات مفهومة، أو حين يطلب من قريبه مالاً يعينه على الحياة، فتكون النتيجة انهم يسمحون له بتخطي حاجز الدقيقتين، وقد تصل المدة الى سبع دقائق كاملة. وتجدر الإشارة الى أن البديل الوحيد لتلك الخدمة هي هاتف «الثريا»، الذي تديره شركة اتصالات مقرها أبوظبي، ويصل سعر الهاتف الواحد منها الى أكثر من ألف دولار. وتقوم القلة التي تمتلك مثل هذا الهاتف ـ الذي كان ممنوعاً استخدامه في العهد السابق ـ باستغلال الموقف للتربح حيث يعرضونه للاستخدام بعشرة دولارات للدقيقة، وهو سعر فلكي بمقاييس أغلب العراقيين اليوم، وقام بعض الصحفيين الأجانب تحت ضغط الإلحاح بتقديم هواتفهم الخاصة مجاناً لبعض الحالات لتقوم بالاتصال الخارجي. المعروف ان مراكز الهواتف الأرضية العراقية (السنترالات الحكومية) كانت قد قصفت خلال الأيام الأولى من الحرب.