دماء النساء والصغار العراقيين تؤرقه، الشعور بالذنب يزحف إلى عالم بلير

الاحد 3 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 4 مايو 2003 بدأت اشباح ضحايا الحرب على العراق من النساء والصغار الذين حصدتهم النيران الانجلوـ اميركية بلا ذنب جنوه تؤرق توني بلير رئيس الوزراء البريطاني، فيما يبدو، وتنغص عليه افراحه، خاصة وقد ارتبطت هذه المشاعر باحساسه بأن الله سيحاسبه محاسبة عسيرة على ما جنته يداه، وان كان يحاول التشبث بما بقي له من طمأنينة نفسية بالقول ان بمقدوره ان يبرر للخالق الاسباب التي دفعته للتحرك بما ادى في النهاية الى مصرع المئات. وقد كشف رئيس الوزراء البريطاني عن مشاعره الدفينة هذه خلال سرده لما دار خلف الكواليس حيال الازمة العراقية، حيث قامت مجلة «تايمز» البريطانية بنشر هذه اللحظات الدفينة مؤخراً والتي تشمل ثلاثين يوما استغرقتها الحرب. وجاء هذا الاعلان من جانب بلير بشأن محاسبة الله له في الثاني من ابريل وهو اليوم الذي تلا مقتل سبع سيدات عراقيات وعدد من الاطفال بعد اطلاق النار عليهم من احدى نقاط التفتيش. وعندما سئل عن رد فعله حيال حوادث القتل التي نجمت عن انفعاله، اعترف بلير بالشعور بالضغط والألم قائلا: «الامر بالفعل يزعجني». ثم قام بعد ذلك بالتخلي عن حرصه المعتاد بشأن الافصاح عن الدور الذي يلعبه اعتقاده الديني في حياته السياسية، وقال لرئيس تحرير المجلة السابق بيتر شوثارد انه مستعد لمحاسبة الله له ولتبرير ما حدث «لهؤلاء الذين قتلوا او شوهت جثثهم بشكل مرعب نتيجة ما قمت به من افعال»، على حد قوله. غير ان بلير وافق ايضا على ان الكثير من هؤلاء الذين يتمسكون بمعتقداتهم الدينية ربما يخلصون الى ان الحكم الاخير سيكون ضده. وتأتي رواية «تايمز» عن افعال بلير خلال الثلاثين يوما من ايام الحرب لتكشف كيف قام داوننغ ستريت بالتعامل مع الاجواء المعارضة للحرب واستقالة روبن كوك، وحالات التذمر في صفوف حزب العمال، ومطالب المحافظين على الدبلوماسية مع الرئيس بوش والضغوطات التي تمثلها عملية السلام في الشرق الاوسط. وقد كشف بلير في هذه الرواية عن ادق التفصيلات المتعلقة بمتاعب وضغوطات القيادة موضحا كيف كانت الموسيقى وعائلته يمثلان عنصرين مساعدين مكناه من التعايش مع تلك الاجواء المتوترة. ولكن الدور الذي يلعبه الدين هو الامر الذي يجذب اكبر قدر من الاهتمام في هذه الرواية. فقد تم توبيخ مقدم برنامج «نيوزنايت» عندما سأل رئيس الوزراء البريطاني ما اذا كان يقوم هو والرئيس بوش بالدعاء والصلاة قبل اجتماعاتهما غير ان ايمان بلير ودوره فيما يقوم به من افعال كانا ظاهرين بجلاء خلال هذه الرواية التي اوردتها «تايمز» للثلاثين يوما. وتأتي ثقة بلير في القيم الدينية ودعمها له في حرب دار حولها جدل شديد لتزيد من غضب الرأي العام الاسلامي الذي يعارض اساسا الحرب ضد العراق. ولقد اضطر بلير ان يسقط عبارة «وليبارككم الرب» من حديثه الى الامة البريطانية في بداية الحرب. فلقد قال له احد مستشاريه ان اقحام اسم الله سيكون خطأ لانك تتحدث الى اناس كثيرين لا يريدون سماع قساوسة يدفعون بالكلمات عبر حناجرهم، على حد قول ذلك المستشار. ورد بلير بالقول لمساعديه انهم «من اكثر الناس الذين يفتقرون للايمان» ولكنه في النهاية اقتنع باسقاط هذه العبارة من حديثه وينهي خطابه بكلمة «شكراً». ولقد تجنب بلير الحديث عن معتقداته الدينية عقب مقابلة صحافية عام 1996 قال فيها ان آراء المتطرفين في حزب المحافظين ليست متوافقة مع القيم المسيحية. ووصل الامر الى ان معتقداته الدينية اثارت قدرا من الجدل، فلقد احتجت السلطات الكاثوليكية على قيامه بحضور قداس مع عائلته. وتأتي رواية الثلاثين يوماً هذه ايضا لتكشف مدى عمق غضبه من هؤلاء الحلفاء الذين لم يؤيدوه في اللحظات الحاسمة، خاصة غضبه عندما علم بأن جاك شيراك الرئيس الفرنسي كان سيستخدم الفيتو ضد صدور اي قرار ثان يسمح بشن هجوم على العراق عبر مجلس الامن، وعندما علم بهذا الامر قال بلير: «ان هذا العمل احمق يرتكب في مثل هذه اللحظة من تاريخ العالم. فهؤلاء الذين يجب عليهم دعم المؤسسات الدولية يقومون بتقويضها يؤثرون التلاعب وبعد ذلك بأيام قليلة التقى الاثنان في قمة بروكسل، وتكشف رواية الحدث كيف قام شيراك بتوبيخ بلير وكيف انفرد به بعيدا على ممر خال من الزوار واوضح ما يريد قوله لبلير. وكان المساعدون يقفون على بعد، ولكن المستشار الالماني غيرهارد شرويدر كان يشاهد ما يدور من احد الجوانب. وتوحي رواية «التايمز» بأن بوش سيحتاج وقتا اطول بكثير لمسامحة شرويدر بالمقارنة بشيراك بسبب معارضتهما للحرب، وهو الامر الذي يمكن ان يكون له تداعيات كبيرة. ففريق بوش يتفق على ان شيراك لم يعط اي شخص كلمته، فهو فرنسي وله نظرة مختلفة. اما بالنسبة لشرويدر فان الوضع مختلف، فوجهة النظر في كامب ديفيد تمثلت في ان اللغة المعادية للاميركيين التي استخدمها شرويدر في حملته الانتخابية قد تجاوزت الحدود.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات