الاربعاء 28 صفر 1424 هـ الموافق 30 ابريل 2003 في ظل فراغ السلطة الشرعية على المستوى الدولي الذي تملأه الولايات المتحدة الأميركية بقوة أساطيلها العسكرية، بعد أن أطاحت بشرعية الأمم المتحدة وغيّبتها عن العمل منفردة بشئون العالم، بدأت تتبلور عبر العالم صيغ جديدة للتعاون السياسي والأمني لمواجهة التفرد والهيمنة الأميركية على العالم بعد حربها على العراق، عبرت عنه فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ بالإعلان أمس عن بناء نواة منظومة دفاع أوروبية تأتي بعد يوم واحد من اعلان روسيا وست دول سوفييتية سابقة بناء منظومة مماثلة في آسيا الوسطى التي اخترقتها الولايات المتحدة في حربها على أفغانستان. وتستحضر الدول الاوروبية الأربع موقف الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول حين انسحب في الستينيات من منظومة حلف الناتو، معلناً بذلك رفضه للهيمنة الأميركية على الحلف. ورغم أن تلك الدول أعلنت في بيانها عن تشكيل المنظومة الجديدة بأنها ليست خروجاً من الحلف، بل تعزيز له، إلا أنها على المستوى العملي خروج فعلي من مظلة الهيمنة الأميركية التي تجلّت بالحرب على العراق. ولعل عدة أسباب موضوعية سياسية وعسكرية وتقنية وداخلية تدفع بهذه الدول لإعادة صياغة الموقف الأمني الأوروبي أبرزها: ـ إن حرب العراق أوضحت بجلاء أن القرار السياسي غير المدعوم بالقوة العسكرية المتفوقة وفي غياب شرعية وضوابط دولية، مثلما حدث في حرب العراق، لن يجد آذاناً صاغية، ولن يجد قبولاً دولياً مؤيداً له. ـ توصل هذه الدول إلى قناعة بأن إعادة العمل بالشرعية الدولية والالتزام بها لابد أن يرافقه ظهور أقطاب وقوى دولية جديدة تكبح جماح القطب الأميركي الأوحد حالياً لحفظ توازن المصالح والأمن في العالم. ـ إن تلك الدول تأثرت بنتائج الحرب على العراق لغير صالحها بعد أن هددت الولايات المتحدة صراحة بأن الدول التي عارضت الحرب سيتم معاقبتها على موقفها، وما كان لمثل هذا التهديد ليعلن لو كان ذلك الموقف الأوروبي مدعوماً بثقل عسكري يشكل قطباً آخر في العالم. ـوعلى المستوى التقني، أثبتت الحرب مقدار الفجوة التكنولوجية بين الترسانتين العسكريتين الأوروبية والأميركية، وأنه لابد من اغلاق تلك الفجوة عبر زيادة ميزانية الدفاع التي وصلت في العام الحالي إلى 160 مليار دولار لدول الاتحاد الأوروبي الخمس عشرة مجتمعة مقابل 400 مليار دولار خصصتها الولايات المتحدة للغرض نفسه. ـ وعلى المستوى الداخلي، وجدت تلك الدول أنه لابد من إعادة ترتيب البيت الأوروبي وفق قاعدة «أوروبا أولاً» بعد أن عبثت الولايات المتحدة بالموقف الأوروبي ونجحت في شرذمته إلى مؤيد ومعارض لسياستها، لذلك وجدت أن لملمة الموقف الأوروبي تحتاج إلى صياغة سياسية داخلية وخارجية موحدة مدعومة بقدرات مدنية وعسكرية حقيقية. ومن المفارقات أن تلك الدول الأربع هي التي قادت فكرة انشاء الاتحاد الأوروبي وشكّلت أساسه قبل أن يتوسع، وهي التي تعود اليوم لتثبيت دعائم الاتحاد بتحالف دفاعي جديد بعيداً عن الهيمنة الأميركية التي تسيطر على حلف الناتو الذي تشكل أوروبا محوره وقلبه. وليس مستغرباً أن تستقبل الولايات المتحدة والخارجون عن الشرعية الدولية مثلها من دول الاتحاد الأوروبي وهي: بريطانيا وأسبانيا وايطاليا، تشكيل هذه المنظومة بالانتقاد والقلق ومهاجمة الفكرة ومحاولة قتلها في رحمها، لأنها تشكل مساً بالنصر العسكري الذي حققته تلك الدول في حربها على العراق، وهزيمة سياسية لمنطق العصا الغليظة لادارة شئون العالم في غياب ضوابط شرعية دولية أو أقطاب دولية أخرى تكبح جماح التفرد والهيمنة على العالم. وإن كان مثل هذا التحالف الأوروبي بقيادة فرنسا ومنظومة دول آسيا الوسطى بقيادة روسيا هي بالأساس لحماية مصالح دول أعضائها، فإن تداعيات تشكيلها على الساحة الدولية تمس الدول العربية الواقعة بارادتها أو بغير ارادتها تحت النفوذ الأميركي، لجهة المناورة والانسحاب التدريجي المنظم من تحت العباءة الأميركية، إن توفرت الإرادة السياسية لذلك، وإعادة الروح إلى الجسد العربي بعد أن توفر الند الموضوعي للولايات المتحدة، وظهور ملامح حرب باردة عبر الأطلسي تعيد إلى المناخ الدولي بعضاً من أجواء ما قبل انهيار الاتحاد السوفييتي. كتب المحرر السياسي: