الاربعاء 21 صفر 1424 هـ الموافق 23 ابريل 2003 عادت الى مقدمة الاحداث أمس مسألة أسلحة الدمار الشامل العراقية التي استخدمتها أميركا وبريطانيا لاعلان الحرب على العراق، وأثارت مجدداً المواجهات والمعارك السياسية داخل مجلس الأمن. الذي بحث القضية في جلسة مغلقة امس فبعد مطالب أبرزها من كبير مفتشي الأسلحة هانز بليكس بضرورة عودة فرق التفتيش إلى عملها واتهامه لواشنطن بالتزوير لاعلان الحرب، رفضت الولايات المتحدة الأميركية تلك المطالب وأخذت على عاتقها مسئولية العثور على تلك الأسلحة، وهي المسألة التي كانت دول كبرى في مجلس الأمن تربطها برفع العقوبات عن العراق، لكن فرنسا عبّرت أمس عن تأييدها لتعليق فوري للعقوبات رفضته واشنطن في حين أصرت روسيا على ربط الأمر بتقرير من المفتشين. وتزامن مع هذا الجدل الذي يحدث وسط فراغ سياسي في العراق مع اعلان لرئيس الادارة الأميركية في العراق غاي غارنر بأنه يؤيد تشكيل حكومة «فسيفساء» عراقية برئيس واحد بعد أن أثار حفيظة الأكراد في وقت سابق بعدم اعلانه تأييده لعراق فيدرالي كما يريد الأكراد، واكتفائه بالتعبير عن سعادته لزيارة شمال العراق قائلاً بأنه يشعر «كأنه في بيته» بعد الترحيب الشعبي الذي نظمته له الفصائل الكردية. لكن عكس الترحيب في الشمال كانت بغداد ومدن الجنوب وخصوصاً كربلاء تهتف في تظاهرات شارك فيها عشرات الآلاف وقدرهم البعض بحوالي مليونين خلال ذكرى أربعينية الإمام الحسين كانت تهتف ضد الاحتلال الأميركي وتدعو بالموت لاسرائيل وتندد بأحمد الجلبي وصدام حسين. فقد صدت الولايات المتحدة أمس مقترحات بعودة مفتشي الاسلحة التابعين للامم المتحدة على وجه السرعة الى العراق مهيئة بذلك الساحة لمواجهة جديدة بين واشنطن واعضاء مجلس الأمن روسيا والمانيا وفرنسا. وقال المتحدث باسم البيت الابيض اري فلايشر ان الولايات المتحدة وحلفاءها في الحرب يتحملون مسئولية تفكيك اسلحة الدمار الشامل وبرامج الصواريخ المشتبه بها. وقال فلايشر للصحفيين «اننا نتطلع الى الامام وليس الى الخلف. نظام صدام حسين انتهى وسنكون في حاجة لاعادة تقييم الخطة الاساسية لنزع اسلحة النظام في ضوء الحقائق على الارض». وكانت هذه المسألة محور جدل جديد عاد الى مجلس الأمن أمس بين واشنطن والدول التي عارضت الحرب، حيث جددت روسيا وفرنسا تأكيدهما على ضرورة التأكد من نزع أسلحة العراق قبل رفع العقوبات عنه. لكن فرنسا أبدت تأييدها لـ «تعليق» فوري لتلك العقوبات وربطت الرفع النهائي بمسألة الاسلحة. وقال السفير الفرنسي مارك لاسابليار لدى مجلس الأمن في ختام اجتماع مغلق للمجلس انه اقترح تعليق العقوبات على الفور، موضحاً ان الرفع النهائي لها مرتبط بتأكيد نزع أسلحة العراق. وأضاف مندوب فرنسا انه في حين يؤيد كل اعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة انهاء العقوبات المفروضة على بغداد في نهاية الأمر فإن هذا الأمر ربط قرارات سابقة لمجلس الأمن بينه وبين شهادة بنزع اسلحة العراق. وقال للصحفيين في اعقاب لقاء مع هانز بليكس كبير مفتشي الأسلحة الدوليين «ومن ثم فإنه الى حين ذلك يمكننا تعليق العقوبات وتعديل برنامج النفط مقابل الغذاء بهدف انهاء العمل به تدريجياً». وأعلنت الولايات المتحدة انها لا تؤيد مقترح فرنسا، مؤكدة انه يتعين ببساطة وبكل معنى الكلمة رفعها. وقال المتحدث بلسان الخارجية الاميركية ريتشارد باوتشر انه «حان الوقت لرفع العقوبات» لأن «الوضع تغير» في هذا البلد مع سقوط نظام صدام حسين. وأضاف «لم يعد هناك ضرورة للعقوبات». وفي اشارة الى تعليق العقوبات أعلن باوتشر ان هذا لا يتماشى «مع الحالة التي نحن فيها»، مضيفاً «لم يعد هناك ضرورة للعقوبات». وأكد قائلاً: «إذا ما تم تعليق العقوبات فإنها لن تزول». وأوضح مندوب روسيا سيرجي لافروف ان قرارات الأمم المتحدة تربط بين رفع العقوبات وبين تحقق المفتشين من ان العراق لم تعد لديه أسلحة دمار شامل. وقال للصحفيين: «اننا لا نعارض رفع العقوبات على الاطلاق وما نصر عليه هو ضرورة تنفيذ قرارات مجلس الامن»، واضاف «كلنا نود ان نعرف انه لا توجد أسلحة دمار شامل في العراق والسبيل الوحيد للتحقق من ذلك هو وجود مفتشين في العراق وأن يتحققوا بأنفسهم وأن يرفعوا تقريراً الى مجلس الأمن، وبمجرد تسليم تقريرهم سيمكن رفع العقوبات». وذكر السفير الفرنسي الذي كان يتحدث بالانجليزية «لقد اقترحت ايضاً العمل على تسويات عملية تسمح إذا لزم الأمر بتنسيق التحرك على الأرض للفرق الأميركية وفريق المفتشين الدوليين» عن أسلحة الدمار الشامل. وأشار المسئول الفرنسي الى ان مشاورات أمس التي قدم خلالها رئيس فريق المفتشين هانز بليكس تقريراً كانت «ايجابية» معتبراً ذلك أمراً «مشجعاً جداً». وكان بليكس قد صرح في وقت سابق امس لمحطة تلفزيون «بي بي سي» في برنامج وثائقي تلفزيوني يبث السبت المقبل ان المسئولين الاميركيين روجوا لاشاعات مفادها ان المفتشين الدوليين يتعمدون ابقاء بعض المعلومات المتعلقة بقدرات العراق العسكرية، طي الكتمان. وقال بليكس انه يشعر بالانزعاج مما وصفه بالمعلومات الخاطئة والمشوهة عن برامج العراق التسلحية المحظورة، التي تقوم المخابرات الاميركية بنشرها. واضاف ان هناك امثلة واضحة فقد سمعنا عن عقد بين العراق والنيجر واستيراد 500 طن من اليورانيوم. واوضح «عندما حصلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية على العقد لم يصعب عليها ان تكتشف انه غير صحيح وانه بكل بساطة مزور». في نفس السياق اكد مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي مجددا ان الوكالة وحدها مخولة بالتحقق من القدرة النووية العراقية ونزع هذه القدرة. واشار البرادعي في تقريره نصف السنوي الذي اعلن عنه امس «ان الوكالة لم تعثر على اي دليل مقبول حتى 17 مارس على ان العراق عاود برنامجه للتسلح النووي». وقال «الا ان ذلك لا يعني ان الوكالة انجزت التحقيقات التى تسمح بمعرفة ما اذا كان العراق حاول ام لا معاودة العمل ببرنامجه النووي بين عامي 1988 و 2002». وتواجه الولايات المتحدة احراجا دولياً لعدم عثورها على اسلحة دمار شامل في العراق لكن الجنرال فينسنت بروكس من القيادة الاميركية الوسطى في قطر قال ان الولايات المتحدة لا تزال واثقة انها ستعثر على اسلحة دمار شامل رغم انها لم تكتشف شيئا حتى الآن. وقال ان العديد من المواد المثيرة للشبهات جرى اختبارها ولكن لم يثبت حتى الان ان ايا منها يمثل اسلحة غير مشروعة. وقال بروكس ان العسكريين يعتقدون ان القادة العراقيين الذين وقعوا في الاسر يمكن ان يقدموا معلومات تقود للعثور على أسلحة كذلك قال ان الوثائق واقراص الكمبيوتر التي ضبطتها القوات التي تقودها الولايات المتحدة يمكن ان يكون بها ادلة خاصة بهذه المواد. على صعيد آخر زار رئيس الادارة المدنية الاميركية امس مناطق الاكراد في شمال العراق، ونقلت محطة «سي. ان. ان» عن غاي غارنر قوله انه «ينبغي ان تكون المنطقة الشمالية التي تتمتع بشبه حكم ذاتي نموذجا يحتذى في باقي مناطق العراق. واستقبل الزعماء الاكراد والطلبة غارنر في جامعة السليمانية استقبالا حافلا. ولدى هبوط غارنر بطائرة هليكوبتر في السليمانية كان في استقباله بالاحضان جلال طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني. وقال غارنر لطالباني «انتم تجعلوني اشعر وكأني في بيتي». ورد طالباني على غارنر بالانجليزية قائلا «هذا بيتك حين تتقاعد عد الى كردستان وسنعد لك منزلا جميلا». وجمع غارنر طالباني ومنافسه مسعود البرزاني في لقاء مشترك. وقال طالباني الذي كان يرتدي بزة رمادية وربطة عنق «لقد قدم الرئيس جورج بوش اقتراحا جيدا جدا للعراق وهو الفيدرالية ونحن ندعم هذا الامر». من جهته قال هوشيار زيباري مسئول العلاقات الخارجية في الحزب الديمقراطي الكردستاني «انه حدث مهم ومرحلة حاسمة للشعب العراقي وللاكراد». وردا على سؤال حول ما اذا كان مؤيدا للصيغة الفيدرالية للنظام العراقي قال زيباري «نعم واعتقد ان الفيدرالية هي الحل للاكراد في العراق الجديد»، رغم ان مصادر اخرى اكدت ان غارنر لم يشر اطلاقا الى الفيدرالية خلال زيارته الامر الذي اثار استياء الاكراد. لكن غارنر عاد في وقت لاحق وبعد اجتماعه مع برزاني وطالباني ليعلن ان الحكومة العراقية المقبلة ستعبر عن «فسيفساء» الشعب العراقي وبرئيس واحد. ويأتي هذا الاستقبال الحافل لغارنر في شمال العراق بعكس الاستقبال الفاتر الذي وجده في بغداد. في غضون ذلك تظاهر آلاف العراقيين في بغداد وكربلاء امس للاحتجاج على احتجاز القوات الاميركية للشيخ محمد الفرخوسي ممثل مكتب الامام الصدر في الرصافة والذي اطلق سراحه فيما بعد. وهتف المتظاهرون ضد الولايات المتحدة ورددوا شعارات تطالب بمنح علماء الدين دورا اكبر في الحياة السياسية. وفي كربلاء فقد تحول احتفال مئات الالاف من الشيعة العراقيين بذكرى اربعينية الامام الحسين بن على فى مدينة كربلاء الى مظاهرة عفوية تندد بالوضع السياسى الراهن فى العراق رغم الطابع الدينى لهذه المناسبة. وقالت قناة «الجزيرة» الفضائية فى تقرير اخبارى حول هذه الاحتفالات ان المسئولين فى كربلاء قدروا عدد المشاركين بأكثر من مليونى شخص وتوقعوا ان يرتفع الى خمسة ملايين فى ظل توافد المزيد منهم على المدينة المقدسة. وطغى الجانب السياسى على هذه المناسبة رغم طابعها الدينى حيث ترددت شعارات منها الموت لاسرائيل .. لا لأميركا .. لا لصدام .. لا لجلبى .. نريد حكومة فورا . واوضح التقرير ان الشيعة انتهزوا هذه المناسبة للتعبير عن برامج سياسية ليست واضحة المعالم لكنها مجرد شعارات او لافتات او حتى صيحات وصرخات تطلق من الحناجر. وأوضح ان بعض المراقبين يرى ان هذه الظاهرة تعد رسالة لمن يهمه الامر توكد الحضور القوى للشيعة على الساحة العراقية مضيفا ان الجيش الاميركى قد أثر من جانبه البقاء خارج مدينة كربلاء وعند مشارفها بعيدا عن العتبات المقدسة للشيعة. وانتهى التقرير الى القول انه رغم ترحيب المراجع الدينية الشيعية بتحرير القوات الأميركية والبريطانية العراق من نظام الحكم السابق فانهم يرون الان ضرورة خروج هذه القوات طواعية. الوكالات
غارنر يؤيد حكومة «فسيفساء» برئيس واحد وتظاهرات مليونية بكربلاء تطالب برحيل الاحتلال، رفع عقوبات العراق يجدد معارك مجلس الأمن، فرنسا وروسيا تشترطان التأكد من إزالة أسلحة الدمار وواشنطن ترفض
