الثلاثاء 20 صفر 1424 هـ الموافق 22 ابريل 2003 تتكشف يوماً بعد يوم تداعيات الاحتلال الأميركي للعراق على منطقة الشرق الأوسط، وخصوصاً ما يستتبع الاعلانات الأميركية عن اقامة طويلة الأمد في العراق في شكل قواعد عسكرية دائمة، وإن خالطت تلك الاعلانات تناقضات واضحة لكنها تصب في استراتيجية أميركية لاحداث تغييرات كبرى تدريجياً في الشرق الأوسط واحكام قبضتها عليه عبر أربع مراحل لتنشيط نظرية الدومينو التي تثير مخاوف دول المنطقة التي عبرت أكثر من مرة عن رفضها لاقامة أميركية طويلة في العراق، وفيما تنشغل الادارة الأميركية بتثبيت دعائم نفوذها الجديد بالمنطقة، يواجه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير معركة أخلاقية وقانونية لمواجهة ضغوط مجلس العموم البريطاني الذي يشعر ان بلير قدم له معلومات مضللة حول امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل لتبرير الحرب عليه. وبحسب صحيفة «لوس انجلوس تايمز» فان الادارة الأميركية وعلى عكس الاسلوب المباشر الذي اتبعته في العراق فانها تتبنى استراتيجية الدومينو لاحداث تغييرات كبرى في الشرق الأوسط باستخدام السبل السياسية والاقتصادية على خلفية نفوذها الهائل الآن في المنطقة. وقال مسئولون أميركيون ان الاستراتيجية تتضمن أربع مراحل تبدأ باعلان خطة «خريطة الطريق» لتسوية الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي، أما المرحلة الثانية فتهتم بخلق مجتمع مدني وتشجيع المنظمات غير الحكومية لنشر قيم الثقافة الاميركية في دول المنطقة. وتتضمن المرحلة الثالثة العمل على دفع دول المنطقة الى اجراء اصلاحات اقتصادية تتمحور في الأساس على نموذج دول شرق آسيا. أما الخطوة الرابعة والأخيرة فهي تشديد اجراءات المراقبة لمنع دول المنطقة من امتلاك وتطوير أسلحة الدمار الشامل. لكن تلك الخطط ومسألة البقاء الدائم في المنطقة تثير تصريحات متناقضة بين السياسيين الأميركيين. وقال السيناتور الجمهوري ريتشارد لوغار رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي في مقابلة مع شبكة «ان.بي.سي» الاخبارية التلفزيونية الاميركية انه يعتقد أن «علينا التفكير في فترة من الوقت لا تقل عن خمسة أعوام». وقد دعمت صحيفة «نيويورك تايمز» الصادرة الأحد ما ذهب اليه هذا السيناتور بالقول ان الولايات المتحدة تخطط بالفعل لاقامة عسكرية طويلة الأجل في العراق باتفاق مع الحكومة الناشئة تعطي وزارة الدفاع الاميركية (البنتاغون) تسهيلات في أربع قواعد عسكرية في انحاء العراق. الا أن أمرا كهذا سيرفع على الارجح مشاعر القلق والظنون في الشرق الاوسط من النوايا الحقيقية لواشنطن، وهو على عكس ما يبدو من أنه رغبة عموم العرب في جلاء أميركي سريع من العراق. وقد زاد من غموض الحالة رفض جورج بوش الرئيس الاميركي، في حديث للصحفيين في تكساس، التكهن بمدة بقاء القوات الاميركية في العراق. الا أن اشارات أخرى جاءت من دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الاميركي تقول ان القوات الاميركية ستبقى في العراق لما يلزم من الوقت، لكنه لم يشأ الدخول في تحديد هذا الوقت. وفي تصريح لشبكة فوكس الاخبارية التلفزيونية قال السيناتور الديمقراطي ايفان باي عضو لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ: «نحن بصدد البقاء هناك لفترة وليس بشكل دائم لأننا لا نريد ان نربح الحرب لنخسر السلام». الا أن ريتشارد بيرل المستشار في وزارة الدفاع الاميركية، وأحد الصقور فيها، بدا أكثر ميلا للبقاء فترة قصيرة نسبيا، وقال في حديث مع شبكة سي بي اس التلفزيونية الاميركية ان «الفترة الانتقالية يجب أن تكون قصيرة.. مسألة أشهر، وآمل أن تكون مسألة أشهر فقط». لكن هنري كيسنجر وزير الخارجية الاميركي الاسبق قال لشبكة سي ان ان الاخبارية التلفزيونية انه من المحتمل أن تبقى القوات الاميركية اكثر من عامين. وقد استأثرت مدة بقاء القوات الأميركية بالعراق باهتمام الصحف البريطانية، حيث تثبت صحيفة «التايمز» ان أميركا تخطط لاحكام قبضتها على المنطقة، وأضافت ان هذه الخطوة ستزيد من شكوك العالم العربي في أن الحرب استهدفت تعزيز النفوذ الاقتصادي والعسكري الاميركي في المنطقة ومحاصرة سوريا وايران عسكرياً. صحيفة «الغارديان» قالت «ان وجودا عسكريا أميركيا دائما في العراق سيغير الخريطة السياسية في الشرق الأوسط رأسا على عقب... اذ انه سيمنح الولايات المتحدة بديلا عن دول أخرى في المنطقة». وتضيف «الغارديان»: «لكن تلك الخطط قد تفتح على واشنطن أبواب الاتهامات ببناء امبراطورية عسكرية وقد يجر عليها هجمات جديدة من التيارات الاسلامية في المنطقة». وقالت صحيفة «الديلي تلغراف» في تحليلها للخطوة الأميركية ان اقامة هذه القواعد سبب من الأسباب الكامنة وراء دعم وزارة الدفاع الأميركية لتولي أحمد الجلبي رئيس المؤتمر الوطني العراقي منصب الرئيس في العراق «اذ ان سياساته ستكون موالية لأميركا وسيكون على استعداد لتقديم تسهيلات من هذا القبيل». أما الشأن الآخر الذي اهتمت به الصحافة البريطانية فكانت المسألة الأخلاقية والقانونية التي تواجه رئيس الوزراء توني بلير للكشف عن دلائل تثبت ان العراق كان ينتج أسلحة دمار شامل بررت اعلان الحرب عليه. وقالت صحيفة «الديلي تلغراف» ان حزب المحافظين المعارض الذي أيد الحرب يرى ان أميركا وبريطانيا ستفقدان ثقة العالم اذا لم تتمكنا من العثور على أسلحة كيماوية أو نووية في العراق... فالبحث عن هذه الأسلحة كان السبب الذي ساقته لندن وواشنطن لتبرير حربهما على العراق». وفي تحليلها للموضوع كتبت صحيفة «الفاينانشال تايمز» تقول «من المقرر أن يدعو العديد من النواب من كل الأحزاب لجنة الاستخبارات والشئون الأمنية في مجلس العموم الى اجراء تحقيق في ما اذا كان وزراء في الحكومة قد تلقوا معلومات مضللة من أجهزة الأمن والاستخبارات». لكن صحيفة «الاندبندنت» قالت «ان الحكومة ستسعى الى معارضة أي تحقيق من هذا القبيل في الوقت الراهن بدعوى أن بريطانيا وأميركا في حاجة الى مزيد من الوقت لتقفي أثر الأسلحة العراقية المحظورة. ويخشى بعض النواب البرلمانيين من أن تلفق لندن وواشنطن الأدلة بما يتماشى وأهدافهما في العراق».