الاثنين 19 صفر 1424 هـ الموافق 21 ابريل 2003 بعد العدوان الأنغلو-أميركي على العراق، سقطت أقنعة عديدة، خاصة على المشهد الفلسطيني-الاسرائيلي. أميركا نهجت في بلاد الرافدين ممارسات اسرائيل في الضفة وغزة. أميركا وبريطانيا قصفتا ودمرتا مواقع مملوكة لشعب العراق وفتكتا بأرواح العديد من المدنيين وولغتا في دماء آلاف الأبرياء. بعد الإطاحة بنظام صدام ـ وهو الهدف المعلن ـ لم تغادر أميركا العراق، وإنما بدأت تكريس احتلال فعلي هناك. العالم العربي التزم الصمت الرسمي ازاء فعائل أميركا وبريطانيا في العراق فيما يشبه التواطؤ أحياناً. فما الذي يمكن أن يدفع مسئولاً في عاصمة عربية ليجأر بالاحتجاج على فعلة اسرائيلية مهما كان قبحها أو بشاعتها تجاه فلسطين؟ من الواضح ان شارون بدأ بالفعل التهام ثمار العدوان الأميركي على العراق. حتى منبر الأمم المتحدة فقد جاذبيته للخطب الطنانة والقرارات التي لا تلبس اسرائيل ولو غلالة من الحياء. بوش وبلير أفرغا المنظمة الدولية مما تبقى من روحها الباهتة باصرارهما على شن الحرب على العراق دون غطاء دولي. فما الذي يمكن أن تفعل الدبلوماسية العربية في سوق الشجب والتنديد والادانة؟ الاحتلال الأميركي للعراق لا يوفر لشارون فقط غطاء للتمادي في توسيع المستوطنات والتصلب ضد تفكيك مستوطنات مثيرة للجدل من منطلق التماثل وإنما الأهم من ذلك ان العدوان على العراق حقق لاسرائيل انجازاً استثنائياً بتحطيم الجيش العراقي الذي ظل مصدر تهديد حقيقي يحسب له ألف حساب. الانهيار المأساوي لجيش العراق على النحو المباغت الذي فاجأ العالم لا يلغي أو يقلل الثقل الذي يشغله على الخارطة الاستراتيجية للمنطقة حتى 9 الحالي. عقب ازاحة هذا الثقل خارج الميزان العسكري ينفتح الأفق برمته أمام شارون لاستئناف تنفيذ أجندته دون محاولة الالتفات الى الجبهة الشرقية. بالاضافة الى مغادرة العراق معسكر الحرب العربي، فإن سوريا تتعرض لضغوط أميركية مكثفة تجعلها مشغولة بأمرها الداخلي ومنكفئة على ذاتها. هذه هي الكتيبة الأخيرة في جبهة الصمود. كل الظروف باتت مهيأة أمام السفاح الاسرائيلي لفرض ارادته. المشهد الفلسطيني متشقق بحروب داخلية. التجاذب بين عرفات وأبومازن ليس في الواقع نزاعاً صرفاً بين رجلين على السلطة. للخلافات جذور في التربة السياسية الفلسطينية. أبومازن قادم وهو يحمل ثلة تنازلات من منطلق الرهان على اخراج شعبه من المأزق الدامي. رئيس الوزراء الفلسطيني الأول يتبنى برنامجاً مضمونه انهاء «العنف» الفلسطيني بما في ذلك ترويض المقاومة وتدجين الانتفاضة تحت شعار اعادتها الى ثوبها السلمي. من خلال التصادم الحالي يستهدف أبومازن محاصرة عرفات على طريقته الفلسطينية في سبيل تنفيذ برنامجه. بالطبع لا يمكن اتهام أبومازن بالتحالف مع شارون لاحكام حلقة الحصار حول الرئيس الفلسطيني غير أن نهج أبومازن يسوقه قسراً أو اختياراً للتلاقي مع شارون عند أحد مفترقات الطريق. عند هذا التلاقي يصبح من الطبيعي أن يهب رئيس الوزراء الاسرائيلي لتقديم خدماته لنظيره ـ لا نقول حليفه ـ الفلسطيني. فإذا انشغل أبومازن بالتصادم مع عرفات فلدى شارون استعداد كامل للقيام بمهمة اسكات أصوات الرفض الفلسطينية الأعلى صوتاً والأخطر تهديداً من طراز حماس والجهاد. هذان الفصيلان وليس عرفات يشكلان العقبة الفلسطينية الكأداء أمام خارطة الطريق التي أصبحت في ظل المتغيرات الدراماتيكية المتعاقبة على المنطقة بارقة الأمل لسلام مؤجل. فبعد الرفض الفلسطيني لـ «خارطة الطريق» والمطالبة بتعديلها، وبعد سلسلة من الارجاءات الاسرائيلية تحولت هذه الخطة الى الطريق الوحيد للسلام. لا أحد يطرح الآن سؤالاً عن الجدول الزمني لتنفيذ هذه الخطة أو آلية تطبيقها. أبومازن أكثر المتحمسين الفلسطينيين لهذه الخريطة. في غياب جبهة شرقية أو غربية، يصبح مجرد الجلوس مجدداً الى طاولة المفاوضات، انجاز جوهري على طريق السلام. هذا آخر الأقنعة التي لم تسقط بعد. كتب المحرر السياسي: