الاربعاء 14 صفر 1424 هـ الموافق 16 ابريل 2003 بدافع الواجب الوطني لنصرة بلدهم الذي كان يتعرض القصف، قاوم سائقو الحافلات في بغداد القنابل والصواريخ وحولوا عرباتهم الى سيارات اسعاف وأحياناً لعربات لنقل الضحايا، إلا أنهم عجزوا أمام اللصوص وعصابات السطو المسلح على كنوز الحضارة وحافلاتهم أيضاً التي تعرضت للسرقة. ويقول حيدر عبد الهادي (30 عاما) الذي يدير اكبر موقف للحافلات في بغداد في حي الوزيرية «اننا دماء هذه المدينة ومن دوننا لا تعود فيها حياة. لقد قدنا حافلاتنا كل يوم خلال الحرب، ومن دوننا لكانت العاصمة ماتت ولكان العراقيون انتهوا». وتوجد فروع للشركة العامة للنقل العام في كل انحاء العراق، وهي تكفل المواصلات داخل وبين المدن. وتملك الشركة في بغداد 400 حافلة كبيرة تجوب المدينة. ولكن لم يعد هناك اليوم الا خمسين منها قيد العمل بسبب اعمال النهب. ويقول عبد الهادي «لقد صمدنا في مواجهة القنابل والرصاص من كل جانب، ولكننا لم نستطع ان نواجه اللصوص الذين سرقونا مستخدمين بنادق كلاشينكوف». ويضيف «ذهبنا الاثنين الى فندق فلسطين (حيث يوجد مقر العمليات الاميركي) ولكن لم يستقبلنا احد». والواقع ان السائقين كانوا هم الابطال الحقيقيين في الحرب. ففيما اقفلت كل الادارات الرسمية والمحلات التجارية ولازم الناس منازلهم، كانت الباصات تجوب كل صباح شوارع العاصمة. ويقول محمد عباس حسن (40 عاما) «لقد مررت يوما في منطقة تتعرض للقصف الشديد. واصيب الركاب الثلاثون الذين كانوا معي بالذعر، وانا كذلك. الا انني تابعت طريقي حتى وصلنا كلنا سالمين». ويشير حسن الى انه لم ير اطفاله الخمسة طيلة الحرب لانه كان ينام قرب الموقف الذي يوجد فيه الباص. وتعرض كل السائقين لخطر الموت لكي يوصلوا ركابهم الى المكان الذي يقصدونه بامان. الا ان الموت كان اسرع في بعض الاحيان. ويروي موسى مازيل (51 عاما) الذي امضى ثمانية وعشرين عاما في الشركة ان اشخاصا اوقفوه «بعد موجة من القصف ونقلوا الى الباص عائلة من خمسة افراد ينزفون كلهم، توفي الاولاد الثلاثة على الطريق. انزلتهم في مشرحة مستشفى الزهراوي، وادخلت الوالدين الى الطواريء». وكان موسى يوقف حافلته قرب منزله لكي تكون جاهزة كل صباح، وينام داخلها. ويقول «كنت اعمل 14 ساعة في اليوم»، موضحا ان اولاده كانوا غالبا يرجونه عدم الذهاب الى العمل. «كنت اشرح لهم انه لا بد من مساعدة الناس في هذا الوضع. وبعد بضع دقائق كانوا هم الذين يطلبون مني ان اذهب». ويؤكد جميع السائقين انهم كانوا يتصرفون بدافع الواجب و«الضمير الانساني». ويتابع محمد حسن «في المساء كان الركاب يرجونني ان اعيدهم الى منازلهم لا ان انزلهم في المحطة بسبب الخوف. فكنت اتحول الى تاكسي واقوم بذلك. وكنت اختار طريقي بحسب عناوين غالبية الركاب». وقال ان الركاب كانوا يصرخون له مرارا بعد ان يتخطوا خطرا معينا «انتم السائقون انتم الابطال الحقيقيون، انتم الفدائيون». ويدخل الشيخ سعد الصفاء رجل الدين المعروف الى موقف المنطقة في حي الكاظمية الشيعي شمال شرق المدينة، يرافقه حارس مسلح ببندقية كلاشينكوف. لقد جاء ليقوم بجردة حول اعمال السلب. ويقول «ان اوامر النجف (المركز الديني والسياسي الشيعي في العراق) واضحة جدا. لا بد من اعادة الممتلكات العامة وسنقوم بكل ما في وسعنا لاعادة ما سرق». وقد جاء معظم اللصوص من مدينة صدام الضاحية الشيعية الفقيرة التي اطلق عليها سكانها بعد سقوط النظام اسم مدينة الصدر. ـ أ.ف.ب