الاحد 27 محرم 1424 هـ الموافق 30 مارس 2003 بدأت الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا مراجعة خططهما الحربية بعد أن أصبحت قواتهما عاجزة عن التحرك باتجاه بغداد بفعل شراسة المقاومة العراقية، التي اعترف جورج بوش الرئيس الأميركي وقادة عسكريون كبار بضراوتها، وان تكتيكاتها فاجأتهم وكان أحدثها عملية فدائية استشهادية بسيارة مفخخة أوقعت 5 قتلى بين الجنود الأميركيين في النجف. وأعلن قادة عسكريون أميركيون وبريطانيون ان قواتهم تلقت الأوامر بالتوقف عن التقدم شمالاً نحو بغداد لمدة بين 4 و6 أيام لاعادة تقييم الخطط التي وصفها قائد بريطاني بأنها جاءت مخالفة لكل التوقعات رغم محاولات بول وولفيتز المسئول الثاني في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) التقليل من ذلك بقوله انه لن تجرى أي تعديلات على الخطط في معرض رده على ما أثاره قائد القوات البرية في العراق وليام والاس في أن قواته فوجئت بأن القوات العراقية تقاتل بطريقة مختلفة عن خطط الحرب التي تم اعتمادها. وفي قاعدة السيلية بقطر حيث قيادة الحرب، سعى المتحدث العسكري الأميركي الى التقليل ايضاً من تلك الانباء بقوله «ان عمليات القصف الجوي مستمرة» دون أن يقدم توضيحات حول سير العمليات البرية. وما عزز تغيير الخطط والتوقف المؤقت للزحف على بغداد ما أعلنه ناطق باسم البنتاغون ان فرقة المشاة الأميركية الرابعة تحتاج الى أسابيع لتصبح جاهزة للتحرك، اضافة الى ما أعلنه الجيش البريطاني بأنه لا يتعجل اقتحام البصرة التي ما زالت عصية رغم الكوارث الانسانية والتي كان آخرها قصف بريطاني لمخازن المواد الغذائية كانت تكفي المدينة لسنة كاملة. ومع تراجع العمليات البرية، إلا أن القصف الجوي تواصل بكثافة أمس على بغداد وبقية المدن، واستهدف خصوصاً وزارة الإعلام العراقية وأدى الى ارتفاع ضحايا الهجوم خلال اليومين الأخيرين الى 140 قتيلاً وأكثر من مئة مصاب بينهم 68 قتيلاً فقط ضحايا قصف السوق الشعبي في بغداد. فقد أقر جورج بوش الرئيس الأميركي في خطابه الأسبوعي للأميركيين بضراوة المعارك في العراق، مبدياً سخطه على التشكيك الإعلامي في مجريات الحرب الأميركية البريطانية واعداً بالنصر النهائي في مدة لا يعرفها. فيما راوغت قيادات البنتاغون في الاعتراف بشراسة المقاومة العراقية، مقرة بالمفاجأة، معتبرة ان تكتيكات العراقيين مجرد جرائم حرب. وقال بوش في خطابه الاسبوعي «اننا نواجه الآن الوحدات الاكثر تصميما في جيش الديكتاتور. اصبحت المعارك الان ضارية ولا نعرف مدتها لكننا نعرف النتيجة: سيتم نزع اسلحة النظام العراقي واطاحته». وسعى بوش في خطابه إلى دحض كل التقارير التي تؤكد تعثر الخطط الأميركية بقوله «بفضل جهود جيوشنا لم يعد النظام الذي اشاع الذعر في جميع انحاء العراق يسيطر سوى على قسم صغير من البلاد. لقد تقدمت القوات الاميركية وقوات التحالف بانتظام واصبحت الان على بعد اقل من 50 ميلا (75 كلم) من بغداد». وعدد بوش بعض الاعمال الوحشية المنسوبة الى النظام العراقي ووصفها بأنها «جرائم حرب». وبعد ان ذكر بوش بأن هدف الولايات المتحدة وبريطانيا هو «النصر التام والنهائي» دعا الكونغرس الاميركي الى التصويت سريعا على الميزانية الاضافية لتمويل الحرب. ولدى مغادرته البيت الأبيض الى كامب ديفيد أمس، لم يدل بوش بأي تصريح الى الصحافيين لدى توجهه الى المروحية الرئاسية. وقد رافقته زوجته لورا ومستشارته للأمن القومي كوندوليزا رايس والأمين العام للبيت الأبيض اندرو كارد. كما اعتبر وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد انه لا يمكن من الان معرفة ما اذا كان سكان بغداد والعراقيون بشكل عام سيستقبلون القوات الاميركية كـ «قوات تحرير». وكان رامسفيلد يرد خلال مؤتمر صحافي الليلة قبل الماضية على سؤال حول «سوء التقدير» المحتمل للبنتاغون حول الحس الوطني الذي يتمتع به العراقيون وعزمهم على مقاومة قوات اجنبية. واوضح وزير الدفاع الاميركي «من المبكر طرح هذا السؤال. سنعرف الرد لاحقا» وتساءل رامسفيلد «لماذا نقوم بتكهنات في حين ان الجواب قريب». وأظهر المسئول الثاني في وزارة الدفاع الاميركية بول وولفويتز مراوغة أكبر حين قال «ان الاميركيين لم يسيئوا تقدير «مقاومة» العراقيين العسكرية بل «عزم النظام على ارتكاب جرائم حرب». وكان وولفويتز يرد على اسئلة بشأن تصريحات صحافية ادلى بها قائد القوات البرية الاميركية في العراق الجنرال وليام والاس قال فيها ان واشنطن فوجئت بالتكتيك الذي تعتمده القوات والميليشيات العراقية. وقال الجنرال والاس ان «العدو يقاتل بطريقة مختلفة عما هو وارد في خطط الحرب التي اعتمدناها» مشيرا الى ان المشاكل اللوجيستية في العراق تتطلب «توقفا» في العمليات وستؤدي على الارجح الى جعل الحرب اطول. وقال وولفويتز انه لن تدخل تعديلات على الخطط العسكرية التي وضعها البنتاغون والتي تنص على وصول تعزيزات تدريجية الى أرض المعركة، رغم تأكيد قادة ميدانيين بتوقف تحرك القوات البرية لأربعة أو ستة أيام بانتظار اعادة تقييم الخطط ووصول التعزيزات. وقال ناطق باسم البنتاغون ان فرقة المشاة الاميركية الرابعة التي ينتظر وصولها لتعزيز القوات الأميركية في العراق ستحتاج الى «أسابيع» لتصبح جاهزة للتحرك. وأوضح الناطق اللفتنانت كولونيل ديفيد لابان «لا يوجد موعد محدد انها مسألة أسابيع» قبل أن يحصل عناصر الفرقة على عتادهم وأن يتكيفوا قبل أن يتمكنوا من القتال. وغادرت طلائع فرقة المشاة الرابعة التي تضم 12 ألف عنصر قاعدة فورت هود في تكساس بالطائرة الخميس. ووصلت حوالي ثلاثين سفينة محملة بالدبابات والعتاد الى موانيء الكويت بعد رفض تركيا السماح لها بالانتشار في شمال العراق عبر اراضيها وفق ما أعلنه الناطق. وقال مسئول بوزارة الدفاع الأميركية أمس ان قوات من الفرقة الثانية والثمانين المحمولة جواً نقلت الى منطقة قرب الناصرية في جنوب العراق لزيادة تأمين خطوط الامداد من الاخطار التي تمثلها القوات العراقية. وفي القيادة البريطانية قال المتحدث باسمها آل لوكوود انه يعتقد ان القوات البريطانية والأميركية يجب أن تعيد انتشارها قبل الهجوم على بغداد. ورغم نفي الجنرال الأميركي فيكتور رينوارت خلال ايجاز صحفي بقاعدة السيلية بعدم وجود هدنة، إلا انه لم يشر الى تقدم القوات الأميركية واكتفى بالقول ان هناك غارات جوية وقصفاً مدفعياً وتسيير دوريات استطلاع. وامتنع الكولونيل تشارلز اوينز خلال الايجاز التعليق على مقتل 62 مدنياً عراقياً في سوق شعبي ببغداد أمس الأول اثر قصفه بصاروخ أميركي، لكنه اعتبر في الوقت نفسه قيام استشهادي عراقي باستخدام سيارة مفخخة بتفجير نفسه في نقطة تفتيش أميركية قرب النجف أوقعت خمسة جنود قتلى بأنها عملية «ارهابية». وكانت عمليات القصف الجوي قد تواصلت أمس على بغداد وبقية المدن طوال ساعات النهار والليل، وأوقعت تلك الغارات خلال الساعات الـ 48 الماضية 140 قتيلاً بينهم 68 هم ضحايا قصف السوق الشعبي ببغداد، اضافة الى 107 جرحى. واستهدف أحد الصواريخ مبنى وزارة الإعلام في بغداد الليلة قبل الماضية، حيث مقر عدد من الصحفيين الذين أزعجت تقاريرهم بوش الرئيس الأميركي. كما استهدف القصف المدفعي البريطاني على البصرة مخازن المواد الغذائية في المدينة وفق ما أعلنه محمد سعيد الصحاف وزير الإعلام العراقي الذي أوضح ان كمية المواد المدمرة بما فيها حليب الأطفال تصل إلى 75 ألف طن وتكفي المدينة عاماً كاملاً. وما زالت القوات البريطانية تقصف المدينة منذ عشرة أيام، وأعلن الكولونيل البريطاني كريس فيرتون ضمنياً عجز قواته عن دخول المدينة بقوله «نحن لسنا بعجلة من أمرنا». وفي الناصرية قالت شبكة «سي.ان.ان.» التلفزيونية الاميركية ان قوات مشاة البحرية الاميركية خاضت امس قتالا ضاريا مع المقاتلين العراقيين في المدينة. وقال مراسل التلفزيون الذي يرافق قوة من الفرقة الثانية لمشاة البحرية ان القوات الاميركية المتمركزة على ضفة نهر الفرات استخدمت طائرات الهليكوبتر من طراز كوبرا في اطلاق صواريخ من طراز هلفاير ومدافع من عيار 25 مليمترا على العراقيين المتحصنين على الضفة الاخرى للنهر. وذكرت الشبكة ان العراقيين على الضفة الاخرى للنهر اطلقوا نيران الاسلحة الالية على القوات الاميركية وشهدت المدينة التي تقع على بعد 375 كيلومترا جنوب شرقي بغداد قتالا عنيفا خلال الايام العشرة التي مضت على الغزو الذي تقوده الولايات المتحدة مع محاولة القوات التي تقودها الولايات المتحدة تأمين خطوط الامداد على الطريق الى العاصمة العراقية. ـ الوكالات