الثلاثاء 22 محرم 1424 هـ الموافق 25 مارس 2003 واجهت القوات الاميركية والبريطانية الغازية في اليوم الخامس للعدوان على العراق مقاومة عراقية، تشتد ضراوة يوماً بعد يوم باعتراف اميركي بأنهم في حالة صدمة وذهول من شدة المقاومة رغم هجوم «الصدمة والرعب» الذي أطلقته أميركا وبريطانيا على عدوانهما. ودارت أمس مواجهات شرسة بين القوات الغازية والمدافعين عن المدن العراقية تؤكد تماسك الجيش العراقي، حيث فتحت القوات الأميركية والبريطانية جبهات على أكثر من مدينة أبرزها الناصرية التي تخوض معركة دفاع أولى عن بغداد حيث قال قائد القوات الأميركية تومي فرانكس انها معركة شرسة وهي مفتاح التوجه الى بغداد، مشيراً الى تقدم سريع نحو بغداد، دون أن يقدم تفاصيل. لكنه وصف صمود القوات العراقية والمعارك التي خاضتها بأنها «رائعة». وحسب أرقام أولية خسرت القوات الغازية في هذه المعركة وحدها 22 قتيلاً و16 مفقوداً. وفي كربلاء والنجف والموصل وأم قصر والفاو شهدت معارك مماثلة، وإن كانت أقل حدة، بالتزامن مع هجوم عراقي معاكس على طريق الزبير وأم قصر لاسترداد مطار البصرة الذي أعلن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير أمس السيطرة عليه، وان القوات الأميركية البريطانية على بعد 100 كيلومتر من بغداد، مقراً في الوقت نفسه بفاعلية المقاومة التي مازالت تعمل في مناطق الجنوب التي أعلنت أميركا وبريطانيا سيطرتهما عليها، لكن استمرار المعارك يكشف الحقائق. وأعلنت بغداد اسقاط مروحيتي «أباتشي» أميركيتين عرضت صورة احداهما شبه سليمة وهي ترقد في حقول كربلاء وأسقطها فلاح ببندقية قديمة. واعترفت واشنطن بسقوط مروحية واحدة. وأمام احتدام المعارك على عدة جبهات برية كثفت الطائرات الأميركية من الغارات والقصف على بغداد والموصل وكركوك وحتى المناطق الكردية في الشمال، حيث تعرضت كافة المدن العراقية الى موجات متواصلة من قصف الصواريخ والطائرات. وتوقع العسكريون الاميركيون معارك أكثر عنفاً خلال الساعات المقبلة، مقرين بأن الحرب لن تكون سهلة كما صوروها قبل بدايتها. وقال تومي لويس وزير شئون الدفاع البريطاني انها قد تستغرق أسابيع، وقال جيف هون وزير الدفاع البريطاني انه لا يتوقع انتصاراً سريعاً وسهلاً. وقالت بغداد ان حصيلة قتلاها بلغت 462 مدنياً منهم 62 قتيلاً خلال الساعات الأربع والعشرين الاخيرة، بينما لقي خمسة عراقيين بينهم امرأة مصرعهم في القصف الصاروخي على حي الاعظمية في العاصمة العراقية أمس. ونقل مراسل تلفزيون «سي.ان.ان» الأميركي في الكويت مظاهر الصدمة والذهول بين طياري المروحيات الاميركية. وحسب المراسل الذي كان يرافقهم في عملياتهم فقد عاين هؤلاء عقب العودة الى قاعدة جوية شمالي الكويت، وهم في حالة الذهول والصدمة، مدى الأضرار البالغة التي لحقت بالسرب من جراء المقاومة العراقية الشرسة. واعترف طيارو فوج المروحيات القتالية الحادي عشر في الجيش الأميركي بالفشل في اختراق اللواء الثاني المدرع التابع للجيش العراقي بعد اشتباكات عنيفة استغرقت زهاء ثلاث ساعات في معارك الناصرية والزبير، طبقاً لما ذكرته «سي.ان.ان» على موقعها على شبكة الانترنت، وقالت ان الطيارين الاميركيين اضطروا الى الدفاع والتقهقر الى الخلف. ونقلت الشبكة الاميركية عن الطيارين قولهم انهم وقعوا في «عش الدبابير تمثل في وابل من نيران الدفاع الجوي قرب كربلاء». وقالت «كل ما استطاعوا فعله هو الدفاع عن انفسهم. لم يتمكنوا من تحقيق العديد من اهدافهم...كان عليهم الرد على النيران والخروج من الموقف». واضافت انه تم مشاهدة ما بين 10 ثقوب و30 ثقبا من اثر الطلقات في جسم الطائرات التي اشتركت في المعركة ونوافذها. وقالت ان قاذفة صاروخية اصابت احدى طائرات الاباتشي مما ادى الى نزع جزء من محركيها. واستطردت: «عادوا (الطيارون) وهم يشعرون بالذهول والانبهار والصدمة الى حد ما...لم يصدقوا ان كل هذه النيران يمكن ان تكون هناك. وكانت تلك هي التجربة الاولى للعديد منهم في القتال الحقيقي لذا فقد ادت الى نوع من المشكلات والصدمات». وقالت «انهم وحدة مدربة تدريبا جيدا. يعمل القادة على رفع معنوياتهم لضمان استمرارهم في القتال والعودة بطائرات الهليكوبتر الى الجو بمجرد انجاز الاصلاحات المطلوبة». وذكرت مصادر صحفية فى البصرة ان القصف الجوى على المدينة استمر مساء أمس فى الطريق الواصل بين مدينة الزبير ومدينة الفاو. وأضافت انه تم رؤية القنابل المضيئة باتجاه مطار البصرة الدولى في محاولة من جانب القوات العراقية لاستعادة المطار من القوات الاميركية. وقالت ان القوات العراقية على مايبدو تتبع طريقة اسلوب (الكر والفر) فى مهاجمة القوات الاميركية والبريطانية. واضافت ان مدينة البصرة يخيم حاليا عليها ظلام دامس بسبب انقطاع التيار الكهربائى كما قطعت امدادات المياه عنها قبل ثلاثة ايام مما اضطر سكان المدينة الى جلب المياه من شط العرب ومن بعض انابيب الماء فوق بعض الانهار فى البصرة مما ينذر بوقوع كارثة اذا استمر انقطاع المياه. ونفت ان يكون تم اختراق لمدينة البصرة وان الاختراق وصل الى الطرق عند مدينة البصرة من جسر الزبير وتقوم القوات الاميركية ليلا بعملية تمشيط بالرشاشات على مناطق سكنية مما اوقع ضحايا بين المدنيين. وحول الاوضاع فى ميناء ام قصر قالت المصادر انه استؤنف القصف الشديد على مشارفه، مشيرة الى ان الجيش العراقي يقاوم بصلابة كل محاولات القوات الأميركية والبريطانية للتقدم. أما في بغداد فلم تتوقف الغارات الاميركية البريطانية عليها طوال أمس، وتم رصد أكثر من 25 انفجاراً خلال الغارات. وأكد العراق أمس انه اسقط مروحيتين اميركيتين من نوع اباتشي وقال انه قد يبث صورا لطياريهما. وقال وزير الاعلام العراقي محمد سعيد الصحاف في مؤتمر صحافي عقده في بغداد «ان عددا صغيرا من الفلاحين اسقطوا (مروحيتي) اباتشي وقد اظهرنا صور احداها على التلفزيون العراقي وقد نبث صور طياري المروحيتين او قد لا نبثها». واكدت القيادة الاميركية المركزية في قطر أمس ان مروحية هجومية من نوع اباتشي فقدت في العراق. وبث التلفزيون العراقي الرسمي أمس صور مروحية اباتشي في احد الحقول مؤكدا انها مروحية اميركية اسقطت في كربلاء على بعد حوالي 80 كلم الى جنوب بغداد. واكد التلفزيون ان «المروحية اسقطت من خلال بندقية مقاتل بطل ، هو الفلاح علي عويد من كربلاء». واكد الفلاح ذو اللحية البيضاء والذي حمل بفخر بندقيته القديمة بأنه اسقط مروحية ثانية من الطراز نفسه في مكان ليس ببعيد عن المروحية الاولى. وفي الصور بدا مدنيون عراقيون يرقصون رقصات تقليدية وهم يهتفون بشعارات النصر. وفي مؤتمره الصحفي قال الصحاف ان 62 عراقياً قتلوا وأصيب أكثر من 400 خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية. وقال الصحاف انه في بغداد أصيب 194 شخصاً في القصف وسقط أغلب القتلى في بابل جنوبي العاصمة، حيث لقي 30 شخصاً حتفهم في حين قتل 14 في البصرة. وذكر ان قتلى ومصابين سقطوا في مدينتي النجف وكربلاء بالجنوب وفي محافظة القادسية الجنوبية ايضاً ومحافظتي نينوى وصلاح الدين بالشمال. وقال «انهم يصرون على ضرب مناطق مدنية بأسلوب جبان ويعتقد هؤلاء الأشرار انه بتوسيع جرائم الحرب التي يرتكبونها فإن بامكانهم أن يضعفونا، انهم ليسوا مجرمين فقط، بل أغبياء لاعتقادهم هذا». ونفى الصحاف نجاح القوات الأميركية والبريطانية في انزال قوات قرب كركوك في شمال العراق. وأكد بيان عسكري عراقي مساء أمس مقتل جنديين أميركيين أو بريطانيين وأسر ثالث خلال معارك بجنوب العراق. كما اعترفت وزارة الدفاع البريطانية بمقتل أول جندي لها في جنوب العراق، لكنها رفضت الادلاء بأي تفاصيل. وفي الجانب الآخر، قال الجنرال تومي فرانكس قائد الغزو الذي تقوده الولايات المتحدة للعراق أمس ان قواته احرزت تقدما سريعا داخل العراق وانها فقدت طاقم مروحية. وقال فرانكس في تقييم متفائل للغزو الذي مضى عليه خمسة ايام بعد 24 ساعة تخللتها انتكاسات ان القوات الاميركية تجاوزت عن عمد التشكيلات العراقية خلال زحفها صوب بغداد، معترفاً بخوض القوات الأميركية والبريطانية معارك شرسة. ووصف المقاومة العراقية بانها متفرقة وتوقع ان تستغرق عمليات التطهير مزيدا من الوقت. وقال فرانكس في بيان صحفي بمقر القيادة المركزية خارج العاصمة القطرية الدوحة «تواصل التشكيلات القتالية البرية الرئيسية التحرك كما شاهدتموها على مدى الايام الثلاثة او الاربعة الماضية». مشيراً الى أسر 3 آلاف عراقي. وقال فرانكس «التقدم نحو اهدافنا سريع ومفاجيء في بعض الاحوال. قواتنا تتحرك بسرعة كما تعرفون. لقد تجاوزنا تشكيلات العدو عن عمد بما في ذلك القوات شبه العسكرية والفدائيين ولذا يمكن ان تتوقعوا استمرار عمليات التطهير التي سنقوم بها على مدار الايام المقبلة». وذكر فرانكس ان قوات الحرس الجمهوري في بغداد وحولها ضربت وستضرب من جديد. وقال ان الصمود الذي تبديه بعض الوحدات العراقية التي قال انها «خاضت بعض المعارك الرائعة» لم يكن مفاجئا للقوات الاميركية مشيرا الى ان قواته معرضة لتكبد المزيد من الخسائر في الارواح في العمليات المقبلة. وامتنع فرانكس عن نفي أو تأكيد عثور القوات الأميركية على أسلحة كيماوية، لكنه قال انه من المبكر جداً توقع مثل هذه الاكتشافات. كما قدم رئيس الوزراء البريطاني في صورة أكثر «تفاؤلاً» لسير العمليات بقوله انه تمت السيطرة على مطار البصرة في الوقت الذي كانت القوات العراقية تشن هجوماً معاكساً لاسترداده. وقال أمام مجلس العموم انه «تمت السيطرة على الصحراء الغربية بشكل كبير وفي الشمال هناك هجمات جوية تشن على اهداف في الموصل وكركوك وتكريت». واضاف بلير «نحن على اتصال مستمر بالحكومة التركية والسلطات الكردية لحثها على التزام الهدوء»، مشيراً الى ان التدخل التركي في كردستان العراق غير مقبول. وقال بلير ان القوات الاميركية والبريطانية تقترب من مواجهة حاسمة مع الحرس الجمهوري العراقي وهي تسرع نحو بغداد. وقال بلير «قوات التحالف التي يقودها الفيلق الاميركي الخامس في طريقها الى بغداد. وهي الآن على مسافة نحو 60 ميلا (مئة كلم) جنوبي بغداد قرب كربلاء». واضاف «وبعد هذه النقطة بقليل ستواجه فرقة المدينة التابعة للحرس الجمهوري التي تدافع عن الطريق الى بغداد. ستكون هذه لحظة حاسمة». وتابع بلير ان «اجهزة الامن الشديدة الولاء» شكلت جيوبا للمقاومة في البصرة ما زالت صامدة مضيفا «تم احتواؤها لكنها ما زالت قادرة على انزال خسائر في الارواح في صفوف قواتنا ولذا فنحن نتحرك بحذر». وقال ان مثل هذه المقاومة في جنوب العراق تعوق جهود المعونة. كما عبر وزير الدفاع البريطاني عن ارتياحه لما أسماه بالتقدم الكبير الذي أحرزته القوات البريطانية وخاصة في الفاو، وقال ان النزاع لن يكون سريعاً أو سهلاً. ـ الوكالات
462 مدنياً ضحايا القصف المتواصل وإسقاط مروحيتي «أباتشي» ببندقية فلاح قديمة، المقاومة العراقية تصيب القوات الغازية بـ «الصدمة والرعب»
