الاربعاء 16 محرم 1424 هـ الموافق 19 مارس 2003 بين التحريض والوعيد للقوات العراقية، ومن الترهيب إلى الترغيب للشعب العراقي، راوح جورج بوش في إنذار المهلة الأخيرة. الخطاب برمته جاء ملتبساً بالتناقض ومتأرجحاً بين الهجوم والدفاع عن اطلاق الحرب وخوضها. الرئيس الأميركي طالب القوات وأجهزة الأمن العراقية بعدم التصدي لجنوده وحذرهم من إطاعة أوامر صدام، ورفض تنفيذ الأعمال التخريبية. المطالبة والتحذيرات تنمّان عن خوف مبطَّن يكشف عمقه التحريض على رفض استخدام أسلحة الدمار الشامل. بما ان بوش يدرك ضعف فعالية التحريض فقد ذهب لجهة الوعيد فقال للجنود العراقيين «مصيركم يعتمد على تصرفاتكم» ومضى أبعد من ذلك إلى التهديد بمحاكمتهم كمجرمي حرب. الرئيس الأميركي يغرق في التباسه حين يطالب ويرغب القوات العراقية في «التصرف بشرف» إذ يريد منهم القاء السلاح والسماح لجنوده الغزاة بدخول العراق سلماً. هذا الغاء للبند الأول من شرف الجندية. هو الالتباس نفسه الذي يكتسي به انذار بوش إلى أجهزة الاستخبارات العراقية إذ يأمرها بعدم القتال من أجل «نظام يحتضر»، مع ان الاستخبارات الأميركية تدرك الارتباط العضوي بين النظام والاستخبارات في العراق على نحو لا يمكن الفصل بينهما. هو الالتباس الذي يطبع خطاب بوش حين يحرض الشعب العراقي على نظامه عبر وعود بالغذاء والدواء، رغم ان العراقيين يدركون ان الرئيس الأميركي وليس غيره المسئول عن شح الغذاء والدواء الذي يواجهون. الرئيس الأميركي يستغرق في التناقض حد تصوير الاحتلال مهمة للتحرير، فيغري الشعب العراقي بمساعدته في الاستيلاء على السلطة في بغداد مقابل المساعدة في «بناء عراق مزدهر وحر» فيقول «ان يوم تحريركم لقريب». بدلاً من الاعتراف بالفاتورة الباهظة التي دفعها الشعب العراقي جراء الحرب الأميركية والحصار الأميركي يتباهى بوش بمعرفة شعبه بتكاليف الحرب بما دفع في الماضي واستعداد الأميركيين للتضحية. الرئيس الأميركي يؤكد في خطاب الانذار ايمانه برسالة الأمم المتحدة، لكنه لا يكتفي بادانة مجلس الأمن بعد أن وصمه بعدم «تحمل مسئولياته» بل يخرج على الشرعية الدولية ويدير ظهره الى المنظمة الدولية بأسرها تحت زعم تحمل المسئوليات بالانابة عن مجلس الأمن. ديك تشيني كان أجرأ من رئيسه عندما مهَّد لهذا الخروج عن الشرعية الدولية بالتزامن مع خطاب بوش، فأكد عزم الادارة الأميركية رفض الالتزام بأسس الأمم المتحدة. جورج بوش يعترف في الخطاب نفسه بفعالية مجلس الأمن في مستهل تسعينيات القرن الماضي. الرئيس الأميركي يدين بعضاً ـ دون تسميتهم ـ باسترضاء «ديكاتوريين قتلة سُمح لتهديداتهم بأن تتطور لتصبح ابادة جماعية» مع اننا نفهم في قناة من يغمز بوش، إلا انه لا يعترف بدور أميركا في صناعة هؤلاء الذين يمارسون الابادة الجماعية في الشرق الأوسط من طراز شارون أو على الأقل دورها في صناعة ديكتاتوريين من طراز صدام نفسه. بدهي أن يتوغل رد الفعل العراقي في الالتباس من جانبه. الرفض الصادر عن بغداد لمطالب واشنطن استند الى المغالطة أكثر من اعتماده على المنطق واتسم بلغة تجافي الاتزان كالعادة. الأزمة برمتها تعمّقت في التباس جانبي. لم تعد القضية تفكيك أسلحة الدمار، وإنما تفكيك النظام. الأكثر الحاحاً عراقياً الآن الفرز بين الشخصي والوطني. سؤال الساعة العراقية محوره الإجابة عمّا إذا كان رحيل صدام ونجليه يمثل كسراً للارادة الذاتية أم الكرامة الوطنية. ربما في الاجابة ما يعين المعسكر الدولي المناهض للقطب الأميركي على ايجاد سبيل لالغاء ذرائع الحرب. هناك من يعتقد ان رحيل صدام ونجليه، بكل ما ينطوي عليه من مرارة، قد يشكل تضحية في سبيل شعب جدير بالتضحية من أجله. المأساة قدر حتمي على العراقيين، إذا ظل النظام الحالي أو رحل. ثمة من يرى في رحيل أقطاب النظام تخفيفاً من وقع الهول على العراق. ربما يراهن البعض على ايعاز من عاصمة غربية الى بغداد بالرحيل. ليس المهم الايعاز أو مصدره، الأكثر أهمية، قناعة برفض عراقي على الاستجابة. من المؤكد ان الحرب الأميركية الوشيكة فككت المنظمة الدولية قبل تفكيك النظام العراقي. هذه الخلاصة تترك العالم وادياً فسيحاً أمام رعاة البقر. المطلوب ترتيب الأولويات أمام معسكر السلام. الخيار ينحصر في حماية الشعب العراقي أولاً أم الأمم المتحدة. ليس بالضرورة أن يفضي انجاز أحدهما إلى الآخر. كتب عمر العمر: