السبت 12 محرم 1424 هـ الموافق 15 مارس 2003 صرف الرئيس الأميركي جورج بوش انتباه العالم أمس عن الأزمة العراقية والفشل الأميركي البريطاني في استصدار قرار من مجلس الأمن يجيز الحرب على العراق، باعلانه ان خطة «خارطة الطريق» للسلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين ستقدم للطرفين فور تعيين رئيس وزراء فلسطيني. لماذا يترك بوش انشغاله المحموم بالتحضير للحرب على العراق ويعلن فجأة انه ملتزم شخصياً بقيام دولة فلسطينية؟ ولماذا كل هذا الاستخفاف بالعرب والعالم؟! ومن أقصى التشدد والهوس بالحرب ينقلب الى اتجاه معاكس في قضية ذات ارتباط عضوي مع محيطها العربي مقدماً نفسه بأنه رجل سلام. هذا الاعلان المفاجئ في توقيته يقدم أكثر من مؤشر على بدء تنفيذ «خارطة طريق الحرب» على العراق. فبعد الفشل في مجلس الأمن لاستصدار قرار بالحرب على العراق، تمضي واشنطن قدماً لبدئها بدون قرار، لذلك لجأ بوش كما فعل كثير من الزعماء العرب سابقاً بالاختباء خلف القضية الفلسطينية لتبرير أي فعل. فور اعلان بوش تجمع من خلفه ـ مؤيداً ـ خصومه ومؤيدوه في طريق الحرب الى العراق مقدماً نفسه رجل سلام لا حرب مثل صديقه شارون «رجل السلام»! بوش يقول ضمنا للعالم أن حكومته ملتزمة بفرض السلام في فلسطين اعتماداً على «خارطة الطريق» التي صاغتها لجنة رباعية دولية بعيداً عن مساومات مجلس الأمن، وهو يقول بذلك أيضاً ان حكومته ملتزمة «بفرض الحرب» على العراق دون قرار من مجلس الأمن أيضاً. بهذا الاعلان يمسك بوش بورقة التوت بعد ان اصبحت واشنطن معزولة داخل المجتمع الدولي بسياستها الحربية ضد العراق، كما انه يمنح ورقة توت اخرى للعرب غير القادرين على استيعاب حرب بلا قرار دولي. كما أنه يقول للعرب والعالم انه يتعامل مع المنطقة العربية «بانصاف» حسب وصف شريكه في الحرب توني بلير الذي سارع للترحيب بالبيان. بوش يقدم للعرب والعالم «ابرة تخدير» في العضل لاعلان الحرب على العراق دون شعور بالحرج والتردد. رغم كل الحشود العسكرية في المنطقة التي تنذر بالحرب إلا ان هذا الاعلان هو أقوى مؤشر على قرب اندلاعها خاصة أن بوش ذاهب غداً الى البرتغال ليعقد قمة حرب مع الدول الداعية لها مسنوداً بهذا الاعلان. الرئيس الأميركي يقدم نفسه منصفا في القضية الفلسطينية ليثبت للعالم انه محق في سياسته تجاه العراق، وهو بالحالتين غير منصف، اذ كيف يمكن فهم اللعب بقضية عادلة لاعلان حرب غير عادلة سوى لخدمة المصالح الاقليمية والحيوية لاسرائيل بدءاً بتصفية القضية العراقية ثم التفرغ الى تصفية قضية العرب المركزية بخارطة الطريق التي صيغت بأقلام اسرائيلية. ملامح تصفية القضيتين العراقية والفلسطينية واضحة، فبينما تتولى الاولى الطائرات والمدافع الاميركية، يتولى الثانية رئيس وزراء في منصب فصلته ضغوط واشنطن واسرائيل، والا لماذا يربط بوش تقديم «خارطة الطريق» بتعيين رئيس وزراء بصلاحيات قوية؟ الا لتنفيذ الجزء الثاني من مسرحية «خارطة الحرب والسلام» واخلاء الساحة لاسرائيل في المنطقة لتسيطر على مقدراتها، ولماذا يتم اختصار الطريق الى الدولة الفلسطينية بشخصنة القضية في شخص رئيس الوزراء وربطها بمدى صلاحياته؟! علماً أن الخطة لا تقدم أية آلية تنفيذ أو جدول زمني لانهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية، بل ان الخطة ستطرح في زمن رئيس الوزراء للنقاش مجدداً في أكبر عمليات النصب السياسي عبر التاريخ. كتب المحرر السياسي: