الاربعاء 9 محرم 1424 هـ الموافق 12 مارس 2003 إذا سلمنا بأن الحرب بدأت بالفعل بين الكبار على الميدان العراقي فمن اليسير الاتفاق على أن أميركا خسرت جولة دبلوماسية ربما تكلِّفها جبهة المنظمة الدولية برمتها. التقدم الفرنسي الروسي الصارم أجبر الحلف الاميركي البريطاني على التقهقر وإرجاء المواجهة برفع الايادي على شرعنة العدوان على العراق. تلك نكسة حقيقية لواشنطن. التراجع لا يشكل في هذه الحالة خطوة تكتيكية بقدر ما يمثل إنكفاء لجهة الداخل بغية تفادي ضربة قاصمة. في طلب إرجاء التصويت على مشروع القرار الاميركي ـ البريطاني اعتراف ضمني بهزيمة حتمية. أهمية هذه الجولة انها كشفت انقسام العالم مجددا الى معسكرين. من الخطأ التسليم بأن العراق هو الذي أحدث هذا الانقسام وأكثر خطيئة تصنيف المنقسمين في معسكر للحرب وآخر للسلام. ربما يكون أكثر موضوعية النظرالى المسألة من منظور تبلور موقف عالمي مناهض لنظام القطب الواحد. إدارة بوش وحدها تتحمل مسئولية استنفار الآخرين في وجهها على هذا النحو الذي يحشرها في نفق الاحباط والخزي للمرة الاولى بعد تجردها من الثوب السوفييتي تظهر موسكو في قفازات التحدي جريئة تواجه واشنطن كقوة كبرى على الحلبة الدولية. بالتأكيد لم تحصل روسيا على جرعة شجاعة فجائية. الموقف الروسي يستند الى جدار دولي قوي ازاء موقف اميركي متهالك. الجدار العالمي يتمثل في رفض شعبي عارم معزز بأعمدة دولية عظام قوامها فرنسا والمانيا والصين. أمام هذا الحائط العظيم وجدت ادارة بوش نفسها في مأزق مستحكم يجعلها خاسرة إذا هي حاولت اختراقه أو الاصطدام به وإذا هي قررت تجميع آلياتها العسكرية واستدعاء جنودها وأساطيلها. هذا هو مفصل النكسة الاميركية الحالية. بما أن أحلى الخيارين مرُّ في المذاق الاميركي فقد انكبت ادارة بوش بحثا عن مخرج مشرِّف تضمد عبره جراحها وتسترد كرامتها. غير ان العرض الفرنسي الانيق والصارم والموقف الروسي الحاسم والجريء يخنقان فرص اميركا لاستعادة موقفها على الحلبة الدولية. ربما يدرك المتطرفون المتغطرسون داخل ادارة بوش فداحة الثمن الذي ستدفعه اميركا جراء سلوكهم الموغل في التعالي وممارسة الهيمنة. قد تنجح بريطانيا في طرح مشروع قرار دولي يكتسب بالتزامن مع جهود الترغيب والترهيب الاميركية اغلبية داخل مجلس الامن. ايا كانت صيغة المشروع البريطاني فلن تؤدي الى تفكيك معسكر المعارضة داخل المجلس خاصة روسيا وفرنسا والمانيا. محور الخلاف بين اميركا وخصومها ليس الحيز الزمني الممنوح قبل شن العدوان على العراق وانما على مبدأ الحرب نفسها وسيلة لبلوغ الغايات الاميركية المبيتة. الانقسام الدولي لم يعد واقع الأمر وقفاً على معالجة المسألة العراقية وانما اصبح مفتوحا على الخلل في ادارة الشئون الدولية بأسرها. الفرصة باتت مواتية لكبح جموح الكاوبوي الذي يتصرف وكأن العالم بأسره حانة تكساسية. قد لا تستطيع قوى معسكر المعارضة داخل مجلس الأمن ترويض الكاوبوي وهذا اقرب للواقع. المرجح ان تذهب ادارة بوش في حماقتها الى النهاية حتى لو اضطرت الى القفز فوق مبنى المنظمة الدولية. عندئذ سيكون العالم دخل مرحلة جديدة تؤشر الى نهاية الامم المتحدة كمؤسسة دولية لها القدرة على التمثل كمنبر للحوار بعد أن فقدت بالفعل دورها كمؤسسة لها سطوة الالتزام والالزام. تلك هي الخسارة الفادحة التي ستفضي إليها المغامرة الاميركية. من يجرؤ على شد الحبل الدولي الذي يطوق عنق الكاوبوي الاميركي؟ ذلك هو السؤال. كتب عمر العمر: