الثلاثاء 8 محرم 1424 هـ الموافق 11 مارس 2003 وجهت فرنسا وروسيا لطمة قوية للجهود الأميركية البريطانية لتمرير مشروع قرار في مجلس الأمن يجيز الحرب على العراق بإعلان مبكر من الرئيس الفرنسي جاك شيراك ووزير الخارجية الروسي إيغور إيفانوف صراحة عزم بلديهما استخدام حق النقض الفيتو ضد مشروع القرار الذي أعلنت واشنطن أنه سيعرض على مجلس الأمن للتصويت عليه خلال يومين أو ثلاثة. واستنفرت الاطراف المؤيدة والمعارضة للقرار كل أدواتها لكسب أصوات المترددين في مجلس الامن الى وجهة نظرها وضمان التسعة أصوات اللازمة لاجازة القرار ولجأت الدبلوماسية الروسية والفرنسية الى تشغيل «ماكينة حق النقض (الفيتو) » في مواجهة حملة الترغيب والتهديد الاميركية للدول غير دائمة العضوية في مجلس الامن لكسب اصواتها لصالح القرار حيث اعلنت روسيا صراحة وفرنسا ضمنيا عزمهما استخدام (الفيتو) ضد القرار، ومقابل جولة يقوم بها دومينيك دوفيلبان وزير الخارجية الفرنسي الى ثلاث دول افريقية اعضاء بالمجلس للحصول على دعمها ، توجهت البارونة ايموس وزيرة الدولة البريطانية للشئون الخارجية الى الدول نفسها فيما بدأ كولن باول وزير الخارجية الاميركي اتصالات مع المكسيك وتشيلي وغينيا للغرض ذاته. وامام تعاظم الرفض الدولي والتهديد بالفيتو اعلنت لندن استعدادها مع واشنطن لتعديل مشروع القرار لتضمينه جدولا زمنيا لنزع اسلحة العراق، وألمحت واشنطن إلى احتمال عرض القرار للتصويت بعد يومين أو ثلاثة، واعلن غيرهارد شرويدر المستشار الالماني الذي تعارض بلاده بشدة مشروع القرار انه سيحضر شخصيا جلسة مجلس الامن فيما يدرس كل من الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والفرنسي جاك شيراك اشتراكهما في الجلسة. فقد اعلن ايغور ايفانوف وزير الخارجية الروسي في تصريح نقلته وكالة ايتار ـ تاس ان روسيا ستمارس حق النقض (الفيتو) في مجلس الامن ضد قرار جديد يسمح باللجوء الى القوة ضد العراق. وقال ايفانوف في بيان انه اذا ما طرح مثل هذا النص على مجلس الامن «فسوف تستخدم روسيا حق الفيتو ضد القرار». وهذه اول اشارة مباشرة يقوم بها وزير الخارجية الروسي الى ممارسة بلاده حق النقض، بعد ان اعلن في وقت سابق انه «سيعيق» النص، ملمحا الى ان روسيا ستمتنع عن التصويت. وقال ايفانوف في احتفال اقيم باحدى جامعات موسكو ان مفتشي الاسلحة التابعين للامم المتحدة يحتاجون لشهور اضافية لاتمام عملهم في العراق حيث يفتشون عن اسلحة دمار شامل مزعومة. وقال ايفانوف «اليوم عندما تكون لدينا امكانية حقيقية للاجابة على الاسئلة المعلقة والقيام بذلك ليس خلال سنوات بل في غضون شهور فان هذه الطريقة حقيقية ويمكن الاعتماد عليها وتسمح لنا بحل الازمة عن طريق الوسائل السياسية ونزع فتيل الازمة العراقية». كما تعهد جاك شيراك الرئيس الفرنسي باستخدام بلاده لحق النقض (الفيتو) ضد مشروع القرار. وقال في تصريحات مساء امس انه مهما حدث فان فرنسا ستصوت بالرفض ضد المشروع، معتبرا ان الاقدام على خوض الحرب دون مساندة مجلس الامن سيكون سابقة خطيرة. واضاف ان هناك بلداناً اخرى ستكون مستعدة لاستخدام (الفيتو)، مثل روسيا والصين مشيرا الى ان مقاطعة اميركا للمنتجات الفرنسية بسبب التصويت على رفض قرار الحرب لن يكون لها معنى واكد شيراك ان مشروع القرار الاميركي اليوم لا يتمتع بالاغلبية. ورفض شيراك الالتزام بأي «طريق تؤدي تلقائيا الى الحرب طالما لم يقل لنا المفتشون انه لم يعد بامكاننا القيام بالمزيد» مشيرا الى ان الحرب لا تزال الملجأ الاخير واثبات فشل وأسوأ الحلول. وحمل شيراك ايضا على العراق، معتبرا ان تعاونه غير كاف مع المفتشين معتبرا ان نزع سلاح العراق سيؤدي الى نهاية النظام الحاكم. واعتبر شيراك ان «بلدا بمثل ماضي وهيكلية العراق السياسية لا يزال بلدا خطرا». وقال «لكن لا يمكن لبلد ما ان يكون خطيرا فعليا الا اذا كانت لديه الامكانات لشن اعتداءات وهجمات». واعلن من جهة اخرى انه كان هناك بين عامي 1991 و 1998 «نظام تفتيش ادى الى تدمير اسلحة في العراق اكثر مما تم تدميره طوال فترة حرب الخليج». وفي رد فعل اميركي على تصريحات إيفانوف قال آري فلايشر الناطق الرئاسي الاميركي ان البيت الابيض يأمل في ألا تستخدم روسيا الفيتو مشددا على ان واشنطن ستشعر «بخيبة امل» في حال قررت موسكو القيام بذلك. وانضمت باكستان الى معسكر الرافضين للحرب، عندما اعلنت امس على لسان ظفر الله خان جمالي رئيس وزرائها أنه سيكون من الصعب على باكستان تأييد حرب في العراق لكنه لم يوضح ما اذا كانت بلاده ستصوت ضد القرار. لكن مسئول في الحزب الحاكم قال أن باكستان قررت الامتناع عن الإدلاء بصوتها. وازاء هذه المواقف الرافضة صرح دبلوماسي بمجلس الأمن رفض كشف هويته ان التصويت على مشروع قرار يحدد 17 مارس موعداً للبت في مسألة نزع الاسلحة في العراق «يبدو اقل ترجيحا»، مشيرا الى احتمال تأجيله بعد أن كان مقرراً اليوم الثلاثاء. والمحت وزارة الخارجية الاميركية امس الى ان التصويت على مشروع القرار قد «يحصل في غضون يومين او ثلاثة ايام». وانسجاما مع الموقف الروسي اعلن دومينيك دوفيلبان وزير الخارجية الفرنسي الذي بدأ جولة افريقية تستهدف الحصول على تأييد 3 دول اعضاء غير دائمين بمجلس الأمن ان اللجوء الى القوة ضد العراق سينطوي على مفارقة وتناقض. وقال دوفيلبان في ختام لقاء مع الرئيس الانغولي جوزيه ادواردو دوس مسانتوس انه «ما زال من الممكن تجنب الحرب»، في حين اعتبر نظيره الانغولي جواو برناردو دي ميراندا من جهته ان الحرب «محتومة»، دون ان يفصح عن موقف بلاده. واصبحت كل من انغولا والكاميرون وغينيا التي لم تحسم موقفها من القرار مركز الاهتمام الدولي، حيث ارسلت بريطانيا البارونة ايموس وزيرة الدولة للشئون الخارجية في اعقاب الوزير الفرنسي في زيارة هي الثانية من نوعها في غضون شهر. وفي الكاميرون أعلن دو فيلبان ان فرنسا ستتحمل «مسئوليتها كعضو دائم في مجلس الأمن» لمنع قرار الحرب. وقال بعد لقاء مع الرئيس الكاميروني بول بيا «لن نسمح باعتماد قرار جديد يمهد الطريق امام الحرب في العراق. سنتحمل مسئولياتنا كعضو دائم في مجلس الامن». واضاف دو فيلبان ردا على سؤال حول احتمال استخدام فرنسا حق النقض لمنع تمرير القرار لنزع اسلحته «من الواضح ان فرنسا لن تقوم بالقاء ثقل هذا العبء (رفض القرار) على اصدقائها، الدول الاخرى في مجلس الامن». وتابع «سنكون القدوة، وسنعبر بالكامل عن رفض مثل مشروع القرار هذا في حال عرض خلال الايام المقبلة». وانتقد جاك سترو وزير الخارجية البريطاني امس بعبارات سخرية ما وصفه «النزهة» الذي يقوم بها «صديقة» دوفيلبان. ووصف وزير الخارجية البريطاني امام البرلمان المهلة النهائية المحددة في السابع عشر من مارس والواردة في مشروع القرار الاميركي البريطاني الاسباني الذي طرحت نسخة معدلة منه على الأمم المتحدة الجمعة، بأنها «معقولة للغاية». ومقابل جولة دو فيلبان في افريقيا اعلنت واشنطن ان وزير الخارجية الأميركي بدأ اتصالات مع كل من المكسيك وتشيلي كما سيلتقي وزير خارجية غينيا لكسب اصواتها لصالح القرار، كما اعلن البيت الابيض ان جورج بوش الرئيس الاميركي منهمك باجراء اتصالات هاتفية عاجلة مع قادة العالم لحشد التأييد للموقف الاميركي. وتأكيدا لمعارضة بلاده للحرب اعلن الناطق باسم الحكومة الالمانية بيلا اندا امس في برلين ان غيرهارد شرويدر المستشار الالماني سيتوجه شخصيا الى مجلس الامن في نيويورك في حال طرح قرار جديد حول العراق للتصويت. مشيرا الى ان هناك اغلبية واضحة في المجلس مع استمرار عمل المفتشين. وقال اندا ان « غيرهارد شرويدر المستشار الفيدرالي قرر التوجه شخصيا الى نيويورك في حال التصويت على قرار جديد في مجلس الامن الدولي». ورحب شرويدر الاحد خلال مكالمة هاتفية مع جاك شيراك الرئيس الفرنسي بالاقتراح الفرنسي بدعوة رؤساء دول وحكومات مجلس الامن للاجتماع في حال التصويت. لكن فلاديمير بوتين الرئيس الروسي قال في اتصال هاتفي مع شرويدر انه لم يتخذ بعد قراراً بشأن مشاركته في مجلس الأمن للتصويت بنفسه ان الادارة الروسية لا تزال تفكر في الموضوع. وعلى الطرف الآخر قال متحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني ان بلير «مصمم بعزم» على العمل من اجل حصول التصويت على قرار ثان يتوقع انه يتم ابتداء من اليوم الثلاثاء. وقال المتحدث باسم بلير ان لندن مستعدة لادخال تعديلات على مشروع القرار لكسب المؤيدين. وقال المتحدث ان لندن وواشنطن ستبحثان وضع جدول زمني يحدد تفصيلات خطوات نزع الاسلحة ويتعين على صدام حسين الرئيس العراقي الالتزام بتنفيذه في موعد أقصاه 17 مارس من أجل تجنب الحرب. وأضاف «أثار أعضاء اخرون بالمجلس فكرة ربط مهام رئيسية بمواعيد محددة يتعين على صدام الالتزام بها، نبحث مؤشرات تفصيلية توضح ما يتعين على صدام فعله قبل انقضاء المهلة يوم الاثنين المقبل». ولمح أيضا الى أن المهلة يمكن تمديدها وان كان تمديدا محدودا. وقال «17 مارس هو التاريخ الوحيد في القرار واذا كان للزملاء الاخرين أفكار أخرى فسنستمع اليها». وذكرت الصحف البريطانية ان لندن تعتزم ارسال قائمة من النقاط المحددة على العراق ان يعطي بشأنها اجابات مرضية قبل مهلة 17 مارس ومن بينها تقديم تقرير عن نظام صاروخ الحسين وعدد 50 صاروخ سكود واخر عن تدمير 550 قذيفة من غاز الخردل. الوكالات