الخميس 19 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 20 فبراير 2003 وسط انقسام دولي وتصاعد موجة المعارضة الاوروبية الرسمية والشعبية لضرب العراق، بدأت الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا أمس مشاورات لصياغة مسودة مشروع قرار جديد لمجلس الأمن غير مكترثة بالفيتو الفرنسي ، ويتضمن المشروع انذاراً لبغداد بالاذعان التام ومنحها مهلة 3 أسابيع وهو الوقت نفسه الذي توقعه حسني مبارك الرئيس المصري قبل تنفيذ الضربة التي حدد لها ويسلي كلارك القائد السابق لقوات حلف الناتو موعداً تقريبياً بعد 24 مارس وقبل الأسبوع الأول من ابريل بناء على تقديرات لمسار اللعبة الدبلوماسية واكتمال الحشود العسكرية البرية، وانجاز القوات الخاصة الأميركية داخل العراق حالياً لمهامها النوعية. في حين قال صدام حسين الرئيس العراقي ان بلاده تريد تجنب الحرب لكنها لن توافق على سلام بأي ثمن «إذا خالف سيادتها وكرامتها»، وقال وزير تجارته مهدي صالح ان بغداد تتصرف وكأن الحرب ستقع غداً ولديها ما يكفي من المؤن لمواجهتها. ورغم إقرار حلف الناتو أمس لتدابير حماية تركيا بدون موافقة فرنسا، إلا ان أنقرة ماطلت في منح موافقتها على نشر قوات أميركية طلباً لمزيد من المساعدات، وردت واشنطن بأنها قدمت عرضاً نهائياً لتركيا لأنه لم يعد هناك المزيد من الوقت وان لحظة أنقرة لاتخاذ القرار ووضع الخطط قد حانت. فقد ذكرت صحيفة «التايمز» البريطانية أمس ان لندن تحاول اقناع الولايات المتحدة بمنح الجهود الدبلوماسية ثلاثة اسابيع مهلة اضافية قبل ان تطلب من الامم المتحدة ضوءا أخضر لتدخل عسكري في العراق. واضافت الصحيفة ان رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ووزير الخارجية جاك سترو اقترحا ان يعقد اجتماع مجلس الامن الدولي في هذا الشأن في الرابع عشر من مارس. ويرى سترو وبلير انهما بهذه المهلة يتمتعان بوقت كاف للتوصل الى اقناع الدول المتحفظة مثل فرنسا بأن الرئيس العراقي لم يتعاون مع مفتشي الاسلحة وبالأسس السليمة لاعتماد قرار جديد يفتح الطريق للحرب. وأوضحت مصادر دبلوماسية لصحيفة «الغارديان» ان مسودة القرار الأميركي ـ البريطاني لن تطرح قبل جلسة مجلس الأمن يوم 28 فبراير والبيان الجديد لهانز بليكس كبير المفتشين عن أسلحة العراق. وأشارت الى ان المباحثات الأميركية ـ البريطانية أزالت عشرات الاختلافات الطفيفة، وتوصلت الى مسودة مشتركة عبارة عن انذار نهائي لبغداد يلزمها بقائمة مطالب جديدة منها تدمير صواريخ الصمود والسماح باستجواب أي من العلماء العراقيين دون أي شروط، مؤكدة ان المسودة تستعير بعضاً من لغة القرار 1441 وتضيف اليه لهجة الانذار محدد المهلة قبل الضربة العسكرية. كما اعتبر حسني مبارك الرئيس المصري أمس في برلين ان الولايات المتحدة لن تعطي الرئيس العراقي صدام حسين «اكثر من اسبوعين او ثلاثة اسابيع» لنزع اسلحته المحظورة. وقال مبارك في حديث الى التلفزيون العام الالماني «زد دي اف» ردا على سؤال حول الوقت الذي يجب ان يعطى للرئيس العراقي لنزع سلاحه المحظور «لا استطيع توقع ذلك، بامكان المفتشين ان يعرفوا ذلك افضل من غيرهم. الا انني اعتقد ان الاميركيين لن يعطوه الا بضعة اسابيع اي اسبوعين او ثلاثة على الاكثر». واضاف مبارك «لقد قال الاوروبيون: الحرب ليست سوى الحل الاخير. الرئيس الاميركي قال الشيء نفسه. الا ان الولايات المتحدة لا تستطيع ان تعطي صدام حسين شهوراً. لقد قالوا ذلك بشكل واضح: بالنسبة اليهم المسألة مسألة اسابيع». وتابع الرئيس المصري في اليوم الثاني من زيارته الرسمية لبرلين «قال الرئيس جورج بوش: ان صدام يخدعنا. واعتقد ان على صدام ان يفهم الان ذلك. عليه ان يستمع الى ما يقال وان يتخذ قراره بناء على ذلك». من جانبه أكد الجنرال ويسلي كلارك القائد السابق لقوات الناتو ان هناك ثلاثة أسباب وراء تأجيل الضربة الأميركية الى ما بعد 24 مارس المقبل، أولها ان اللعبة الدبلوماسية في ذروتها وتحمل التحديات لبوش تجاه رغبة حليفه توني بلير في صدور قرار ثان ينذر به مجلس الأمن العراق، وهو أمر قد يستغرق ما بين 4 الى 5 أسابيع في ضوء اصرار فرنسا على عقد اجتماع مجلس الأمن يوم 14 مارس وليس 28 فبراير. ويشير كلارك الى ان واشنطن ستتخلى عن فكرة الحصول على قرار ثان من مجلس الأمن، لو وجدت المعارضة الفرنسية ـ الألمانية تتعاظم وتكتسب أنصاراً غربيين وعالميين، وقتها سيضطر بوش لضرب العراق دون قرار. أما الثاني، فيعتمد على اكتمال الحشد العسكري الجوي والبري وانجاز مهام القوات الأميركية الخاصة داخل العراق وتمهيدها للغزو، والثالث العامل البيئي المرتبط بطقس المنطقة الصحراوي وبدء ارتفاع الحرارة الى 40 درجة وسط العراق مع الأسابيع الأولى من شهر ابريل. وفي المقابل اعلن صدام حسين الرئيس العراقي انه لا يسعى الى الحرب لكنه على استعداد للقتال اذا ما انتقلت واشنطن الى الهجوم وذلك لدى استقباله وفدا برلمانيا روسيا امس في بغداد. وقال الرئيس العراقي الذي اوردت كلامه وسائل الاعلام المحلية «في الوقت الذي يحتاج شعبنا الى حريته وكرامته وسيادته، فانه يحترم حرية وسيادة وكرامة الاخرين بما في ذلك اميركا لو احترمت حرية وسيادة العراق والعرب». واضاف «ولكن اذا حاولت اميركا وركبها الشيطان في تصور ان بامكانها ان تحقق الاهداف التي تتحدث عنها فسوف ترى ما هو تصميم شعب العراق وسوف ننتصر عليها باذن الله». وخلص الى القول ان «شعب العراق لا يريد الحرب ولكن ليس بأي ثمن فنحن لا نتنازل عن استقلالنا وكرامتنا وحقوقنا في ان نعيش احرارا ونتصرف بحرية». وكان الرئيس صدام حسين يتحدث الى وفد روسي يضم برلمانيين وصحافيين وكتابا بقيادة غينادي زيوغانوف زعيم الحزب الشيوعي الروسي. كما اعلن محمد مهدي صالح وزير التجارة العراقي امس ان العراق يتصرف وكأن الحرب «قائمة غدا» وان لديه ما يكفي من المؤن الغذائية لمواجهتها. وقال الوزير في مؤتمر صحافي «نحن نعمل وكأن الحرب قائمة غدا»، مضيفا «نحن واثقون من انه بامكاننا تلبية حاجات الشعب العراقي». وذكر بان الحكومة العراقية وزعت حصصا غذائية احتياطية عن ستة اشهر لكل اسرة، مشيرا الى ان عملية التوزيع هذه شملت ايضا مناطق كردستان الخاضعة للحكم الذاتي والخارجة عن سيطرة النظام. واضاف صالح ان بغداد مقتنعة بأن مجلس الأمن سيرفض قرارا يبرر الهجوم على العراق. واكد ان «هدف الادارة الاميركية هو اعتماد قرار يسمح بشن الحرب لكنه لن يحظى بالدعم الضروري بسبب التظاهرات التي جرت في العالم». على صعيد متصل، اكد نائب رئيس الوزراء التركي عبد اللطيف سينير اثر اجتماع للحكومة ان الولايات المتحدة لم تلب بعد المطالب التركية التي تعتبرها انقرة شرطا للموافقة على نشر قوات اميركية على اراضيها. وقال المسئول التركي بعد اجتماع لمجلس الوزراء استمر اربع ساعات وتمحور حول الازمة العراقية، «لم نصل بعد الى الاطار الذي نسعى اليه من اجل التوصل الى اتفاق». واكد «لا يوجد اي قرار في الوقت الحاضر حول مذكرة» من الحكومة للطلب من البرلمان اعطاء ضوئه الاخضر لنشر جنود اميركيين من المشاة في تركيا. واضاف «ان مفاوضات مكثفة مستمرة» في هذا الصدد. وعند سؤاله للرد على تصريح للسفير الاميركي في انقرة روبرت بيرسون اكد فيه صباحا ان «عامل الوقت يشكل اهمية حيوية بالنسبة لنا»، قال سينير ان ذلك ليس كذلك بالنسبة لحكومته. وانتهى مسئولون أتراك كبار من رئاسة الوزراء ووزارة الخارجية من اعداد صيغة مذكرة حكومية لتقديمها للبرلمان من أجل الموافقة على نشر قوات أجنبية فى تركيا وارسال قوات تركية لخارج الحدود. واكد رجب طيب اردوغان زعيم حزب العدالة والتنمية انه لا توجد خطط لتصويت في البرلمان التركي بشأن القوات الاميركية هذا الاسبوع كما تحدث عبد الله غول رئيس الوزراء التركي هاتفيا الى كولن باول وزير الخارجية الاميركي امس. واشار بيان صدر عن مكتب غول الى ان البلدين اللذين يشتركان في عضوية حلف شمال الاطلسي لم يزدادا اقترابا من التوصل الى اتفاق بشأن نشر قوات على حدود تركيا مع العراق. ورد البيت الأبيض بالقول ان الولايات المتحدة قدمت عرضا نهائيا للمساعدات الاقتصادية الى تركيا بهدف تأمين اتاحة قواعدها لغزو محتمل بقيادة الولايات المتحدة للعراق وتنتظر رد انقرة. وقال اري فلايشر المتحدث باسم البيت الابيض للصحفيين «لم يبق كثير من الوقت». وسئل اذا كانت الولايات المتحدة قدمت عرضها النهائي لتركيا فقال «هذا وصف دقيق لما حدث». واضاف «اتت اللحظة التي يتعين فيها وضع الخطط واتخاذ القرارات ولا يمكن تمديدها الى اجل غير مسمى»، مضيفاً «إما أن نتوصل إلى اتفاق أو لا». على صعيد متصل غادر جورج روبرتسون الأمين العام للناتو الى واشنطن أمس بعد قرار لجنة الخطط العسكرية في الحلف باستثناء فرنسا الموافقة على تطبيق فوري للتدابير الدفاعية لدعم تركيا في حال وقوع حرب في العراق. وكانت هذه الاجراءات التي طالبت بها اصلا واشنطن ثم انقرة في صلب ازمة خطيرة داخل الحلف سببتها معارضة فرنسا والمانيا وبلجيكا لدخول الحلف في منطق الحرب. وقال ناطق باسم الحلف ان زيارة روبرتسون الى واشنطن كانت مقررة منذ زمن وسيلقي خلالها خطابا امام المعهد الاوروبي للابحاث. وجاء في بيان للحلف ان روبرتسون سيجري محادثات مع الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني ووزير الخارجية كولن باول ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ومستشارة الامن القومي الاميركي كوندوليزا رايس. ـ الوكالات