الاربعاء 18 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 19 فبراير 2003 يبدو ان الضغط الشعبي الرافض للحرب على العراق بدأ يأتي ببعض الثمار ليس في لندن وحدها، بل في واشنطن نفسها، حيث ذكرت تقارير أميركية ان مسئولين كباراً في ادارة جورج بوش الرئيس الأميركي بدأوا يتحدثون علناً ولأول مرة عن مخاطر الحرب في العراق ليس خلال الهجوم فقط، بل وبعد الغزو أيضاً. ورغم ذلك واصل بوش تهديداته متوعداً بـ «تولي أمر صدام حسين» وان بلاده قد تكشف عن مشروع قرار ثان قوي خلال هذا الأسبوع لتطبيق القرار 1441 بالقوة، مرحباً بقرار حلف الناتو الدفاع عن تركيا وباعلان القمة الأوروبية لنزع أسلحة العراق، فيما سعى توني بلير رئيس الوزراء البريطاني جاهداً أمس الى تبرير تبعيته للموقف الأميركي مصراً على ضرورة صدور قرار ثان من مجلس الأمن لشن الحرب في ظل تدني شعبيته الى 35% وارتفاع نسبة المعارضين الى 52% ما دفعه للقول أننا لسنا في سباق نحو الحرب. وسعت تركيا بقوة إلى ليّ الذراع الأميركية للحصول على أكبر قدر من المساعدات الاقتصادية قدرتها صحف تركية بنحو 50 مليار دولار وقالت أنقرة ان تأييدها لواشنطن ليس حتمياً أو أمراً مفروغاً منه، وان نشر قوات أميركية لن يحدث قبل الاستجابة لمطالبها واصدار قرار ثان من مجلس الأمن مع نيتها نشر 55 ألف جندي تركي في شمال العراق حال اندلاع الحرب، لكن واشنطن طالبت أنقرة بحسم أمرها فوراً مقابل 6 مليارات دولار كمساعدات، و20 ملياراً أخرى كضمانات قروض. في حين سمحت معظم الدول الأوروبية بالمرور للأميركيين والبريطانيين عبر أراضيها واستخدام مجالها الجوي. وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» أمس ان كبار المسئولين في ادارة الرئيس الاميركي جورج بوش بدأوا يتحدثون علنا ولأول مرة عن الاخطاء التي يمكن ان تحدث لا خلال الهجوم على العراق فحسب بل بعد الغزو ايضا. وذكرت الصحيفة ان دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الاميركي لديه قائمة مكتوبة بالمخاطر المحتملة وانه يشير اليها دوما ويضيف اليها افكاره ومقترحات كبار القادة العسكريين ويناقشها مع الرئيس الاميركي. وابلغ رامسفيلد الصحيفة ان قائمة المخاطر تتضمن «مخاوف من استخدام الرئيس العراقي صدام حسين لاسلحة دمار شامل ضد شعبه والقاء المسئولية علينا». وذكر ان القائمة تتضمن ايضا ان يلجأ الرئيس العراقي «الى ما فعله في ابار النفط الكويتية حين نسفها». وحذرت قائمة رامسفيلد ايضا من ان يخفي صدام اسلحته في المساجد والمستشفيات والمواقع الثقافية ويستخدم المواطنين او صحفيين اجانب كدروع بشرية. وابلغ رامسفيلد الصحيفة «سلسة كاملة من المخاوف من تعرض دول مجاورة للهجوم ومن استخدام اسلحة الدمار الشامل ضد هذه الدول او ضد قواتنا في العراق او خارجه». وصرح مسئول رفيع في ادارة بوش للصحيفة بأن هناك شكوكا ايضا حول الطريقة التي ستستقبل بها القوات الاميركية. ونقل التقرير عن مساعدي بوش قولهم ان الرئيس الاميركي عليه ان يعد البلاد «لامكانية قائمة بالفعل وهي الا تكون هذه الحرب مثل افغانستان» تحقق نصرا عسكريا سريعا بخسائر بشرية اقل مما كان متوقعا. لكن بعد لحظات من نبرة التهدئة والخوف التي انتهجها رامسفيلد ـ خلافاً لطبيعته ـ أكد الرئيس بوش ان صدام حسين يشكل تهديداً للولايات المتحدة، وقال متوعداً «سنتولى أمره». وقلل بوش من اهمية المظاهرات العالمية ضد الحرب وقال للصحفيين ان «الديمقراطية شيء جميل ومن حق الناس التعبير عن ارائهم» ولكن صدام حسين الرئيس العراقي يهدد السلام. واضاف «من الواضح ان هناك البعض في هذا العالم لا يعتبرون صدام خطرا على السلام .. مع احترامي .. انا اخالفهم الرأي». وتابع ان «الحرب هي خياري الاخير ولكن خطورة عدم فعل شيء هي خيار أسوأ .. بالنسبة لي .. من حق الشعب الاميركي علي ان اوفر الامن لهذا البلد». وأوضح بوش انه يفضل صدور قرار جديد يدعم القرار 1441 ولكنه مستعد للعمل تحالف يضم الدول التي تحمل نفس الفكر او من دون دعم الامم المتحدة. وقال بوش «لسنا بحاجة لقرار جديد .. من الواضح ان هذا الشخص لا يعبأ بالقرار الاول. انه يتحدى القرار 1441 بشكل تام .. ولكننا نعمل مع اصدقائنا وحلفائنا لمعرفة ما اذا كنا سنصدر قرارا ثانيا». وامتنع عن القول بما اذا كانت الولايات المتحدة ستؤيد اعطاء موعد نهائي للعراق في القرار كي يدمر اسلحة الدمار الشامل والا فسيواجه هجوما عسكريا. واضاف «نأمل ان ينزع صدام سلاحه. واذا اختار الا ينزع سلاحه .. سنقود تحالفا من الدول الراغبة وسننزع سلاحه». وقال فلايشر ان الاحتجاجات شبيهة بمظاهرات عام 1983 ضد قرار حلف الاطلسي نشر الصواريخ متوسطة المدى وهي خطوة قال انها ساعدت في اسقاط سور برلين. وتابع فلايشر «الولايات المتحدة متمسكة بالمبدأ .. الرئيس الاميركي فعل ما ظن انه صواب من اجل الحفاظ على السلام. ونتيجة لذلك انهار سور برلين وتبين ان رسالة المتظاهرين بأن من الافضل البقاء على الحياد بدلا من الموت هي رسالة خاطئة». كما قال البيت الابيض امس ان الولايات المتحدة قد تكشف هذا الاسبوع عن قرار ثان يهدف الى تنفيذ الانذار المفروض على العراق بشأن نزع اسلحته بموجب القرار 1441 الصادر عن مجلس الامن الدولي في الثامن من نوفمبر. واعلن آري فلايشر المتحدث باسم البيت الابيض للصحافيين «ان ادارة بوش تواصل دراسة قرار ثان مع حلفائها. وقد يعلن هذا القرار اعتبارا من هذا الاسبوع وربما الاسبوع المقبل». واوضح فلايشر ان الامر «يتعلق بقرار بسيط نسبيا، ولن يكون طويلا جدا». وقال ان «الجدول الزمني سيتحدد في ختام المحادثات الجارية بين حكومتنا والحلفاء» الذين يحددون الصيغة الدقيقة للقرار. واضاف «سيحمل (مشروع القرار) رسالة مفادها انه ينبغي تطبيق (القرار) 1441». لكن دبلوماسياً أميركياً قال لوكالة فرانس برس أمس ان القرار الثاني الذي تعتزم الولايات المتحدة طرحه امام مجلس الامن الدولي سيكون «قويا جدا». واعلن هذا الدبلوماسي الذي طلب عدم الكشف عن هويته ان هذا النص «سيشير الى ان اعلان العراق عن اسلحته يتضمن ثغرات وان الدكتور هانز بليكس (رئيس فرق التفتيش الدولية لنزع الاسلحة) اعلن في تقريره الجمعة ان العراق ارتكب انتهاكا جديدا بشأن صواريخه». واضاف الدبلوماسي مستخدما العبارة الواردة في القرار 1441 عن «عواقب وخيمة» اذا لم تؤد الوسائل الدبلوماسية الى تجنب الحرب «ان هذا القرار سينص على ان العراق ارتكب انتهاكات جديدة واضحة». وقال الدبلوماسي ايضا ان الولايات المتحدة لم تتخذ قرارا نهائيا بعد بشأن طرح هذا النص لكنه سيطرح «سريعا» اذا ما لزم الأمر. ومن واشنطن إلى لندن، قال رئيس الوزراء البريطاني توني بلير لدى عودته من قمة اوروبية طارئة حول العراق انه لا يزال يريد صدور قرار ثان عن الامم المتحدة قبل شن حرب على بغداد، مشددا على ان ذلك سيتطلب «نقاشا طويلا». وأوضح بلير خلال مؤتمر صحافي في مقر الحكومة البريطانية «لطالما قلت اني اريد ان تحل هذه الازمة عبر الامم المتحدة»، نافياً وجود سباق نحو الحرب. وأضاف «اريد قرارا ثانيا اذا قررنا شن عمل عسكري» مشددا في الوقت ذاته على ان «نقاشا طويلا سيحصل» قبل التوصل الى قرار. وأضاف بلير ان موعد صدور قرار ثان يفتح الباب امام هجوم على العراق بقيادة الولايات المتحدة هو مسألة يجب مناقشتها مع «حلفائنا الرئيسيين» من دون ان يحدد اي مهلة. واوضح من جهة اخرى ان «مسألة الوقت (الذي يمنح الى المفتشين الدوليين) غير مطروحة الا في حال حصول تعاون كامل» من جانب الرئيس العراقي صدام حسين، مضيفا «في حال رفض نزع اسلحته بطريقة سلمية فيجب ان يحصل ذلك بالقوة». وفيما سمحت معظم الدول الأوروبية للأميركيين والبريطانيين بعبور أراضيها واستخدام مجالها الجوي في حال اندلاع الحرب، قال يشار ياقيش وزير الخارجية التركي ان الحكومة لن تطلب من البرلمان الموافقة على فتح قواعدها أمام القوات الأميركية قبل أن تلبي واشنطن مطالب تركيا التي تشمل مساعدات قدرتها صحف تركية بنحو 50 مليار دولار، في حين عرضت واشنطن 6 مليارات دولار مساعدات و20 مليار دولار كضمانات قروض. وقالت صحيفة «صباح» التركية ان أنقرة طلبت 25 مليار دولار وشطب الديون العسكرية. وردت واشنطن امس بالقول انه قد «حان وقت القرار» بالنسبة لتركيا كي تقبل برنامج مساعدات اقتصادية يبلغ حجمها نحو 26 مليار دولار في مقابل مساعدتها في الحرب منها 6 مليارات دولار مساعدات ومنح و 20 مليار دولار في شكل ضمانات قروض. وقال المتحدث باسم البيت الابيض آري فلايشر ان الامر «سيحسم بشكل او بآخر قريبا». واضاف «نحن نواصل العمل مع تركيا كصديق. ولكنه وقت القرار، وسنعرف ما هي النتيجة النهائية». وكانت واشنطن تتوقع ان توافق تركيا أمس على السماح بنشر قوات اميركية على اراضيها لكن انقرة ارجأت التصويت قائلة ان دور الجيش التركي في اي عملية لم يتضح بعد وان المسئولين الاميركيين لم يضمنوا مساعدات كافية لتعويض الخسائر الاقتصادية المحتملة نتيجة لشن حرب. ونقلت وكالة انباء الاناضول التركية عن ياقيش قوله للصحفيين «اسباب صعوبة عرض هذا الطلب على البرلمان في هذا التاريخ ما زالت قائمة. لذلك فإننا لن نعرضه الآن لكن عندما تستوفى شروطنا سنكون مستعدين لعرضه في اقرب وقت». وتابع الوزير بعد محادثات جرت في وقت متأخر من مساء الاثنين مع السفير الاميركي لدى انقرة «تقدمنا خطوة الى الامام» في المناقشات. ـ الوكالات