الاحد 15 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 16 فبراير 2003 ثم ماذا بعد الاشتباك الأوروبي الأميركي؟ ذلك هو السؤال. عيون الجميع تلهث بحثاً عن إجابة تؤكد أو تنفي وقوع الحرب الأميركية المعلقة فوق العراق. قبل الاشتباك الأطلسي كان العراق يواجه مأزقاً لا يستطيع الانفكاك منه إلا بمواجهة الحرب الأميركية ما لم تحدث «معجزة» على حد تعبير طارق عزيز. كانت هناك قناعة راسخة بأن الحرب باتت حتمية. بعد الاشتباك الأوروبي الأميركي المفضوح علناً في مجلس الأمن أصبح الرئيس الأميركي ـ وليس العراقي ـ في مأزق مزدوج لا مهرب له منه إلا بخوض الحرب. تقريرا بليكس والبرادعي زادا الفضول المستثار بفعل الخلاف الأطلسي عن احتمال وقوع الحرب أو نفيها. التقريران لم يعززا حجج بوش في شنّ الحرب قدر ما منحا أنصار السلام فرص الثبات على مواقفهم وإقناع المترددين. إذا أفلحت ألمانيا وفرنسا في استقطاب القوى الأخرى على غرار ما نجحتا مع روسيا فستغلقان حتماً أمام بوش طرق استنفار حلفاء في حملته العسكرية ضد صدام حسين. التجربة الروسية أثبتت أن هناك قوى ترفض الحرب الأميركية، غير أنها تبحث عن جدار تسند ظهرها إليه لمواجهة القطب الأميركي المتوحش. ليس ببعيد أن تذهب فرنسا في المواجهة المكشوفة مع واشنطن حد استخدام حق النقض «فيتو» في مجلس الأمن يحول دون استصدار أي قرار يمنح بوش مظلة دولية لضرب العراق. حتى ذلك المنعطف، تظل الحرب الأميركية على العراق حتمية. كلما كبر معسكر أنصار السلام، كلما استحكم مأزق بوش غير أنه لا سبيل أمامه إلاّ الذهاب إلى نهاية المشوار العسكري. بوش سيكون في مأزق حقيقي لا مخرج منه إلا بالخسران. الرئيس الأميركي يواجه خسارة فادحة يدرك تداعياتها إن أجبرته الظروف على الاحتكام إلى معسكر السلام. إعادة البوارج والجنود إلى القواعد الأميركية يمثل خياراً صعباً، إن لم يكن مستحيلاً، إذ يجعل بوش مكشوف الظهر والبطن أمام خصومه داخل الولايات المتحدة. كل رجال الرئيس يعرفون مليّاً أن قراراً من هذا الطراز يعني أن بوش حفَرَ قبورهم جميعاً، وربما قبْر الحزب الجمهوري في دورات انتخابية مقبلة. على أن الذهاب وحيداً إلى الجبهة العراقية يمنح خصوم بوش في الخارج فرصة لقمع القطبية الأميركية أو الإجهاز عليها. من الواضح كذلك أن خوض الحرب دون حلفاء ليس خياراً مطلوباً على الصعيد الداخلي للولايات المتحدة. بما أن كلا الخيارين مرٌ حسب المذاق الأميركي، فإن بوش يجد خوض الحرب منفرداً أحلى الأمرّين. إكمال المشوار دائماً أفضل من النكوص عنه في حسابات المغامرين. الانكفاء إلى الداخل يجعل بوش رهينة مأزق مستحكم. استكمال مغامرة الحرب يفتح أمام الرئيس الأميركي فرص الرهان على خيول متعددة منها ما هو معروف ومنها المجهول. أحد الرهانات المغرية تحقيق نصر سهل دون خسائر فادحة. امتلاك موقع استراتيجي بالغ الحيوية أو السيطرة عليه مثل العراق يشكّل إغراءً مقنعاً. ليست كل الرهانات مضمونة النتائج. لا تزال رؤية طارق عزيز تكتسي بالمصداقية، إذ المعجزة وحدها التي تدفع الحرب عن العراق. غير أن عزيز كان يأمل في معجزة تنقذ النظام العراقي، بينما من شأن المعجزة حالياً إنقاذ بوش أكثر من صدام. كما وجدت روسيا في فرنسا وألمانيا حائطاً تسند ظهرها إليه لمواجهة أميركا، في وسع بغداد الاستقواء بمعسكر السلام لإيجاد مخرج للأزمة. الرهانات أصبحت مفتوحة ومتفرعة أمام الرئيس العراقي، بينما خصومه في مأزق مستحكم. ليس ببعيد أن تطرح قمة شرم الشيخ ورقة مغرية تصلح للرهان عليها. ظرف القمة يؤشر لرهان من هذا النوع. أمام القمة العربية فرصة القول الفصل في قضية الحرب والسلام ولا سبيل للمساومة. فهل يخرج الفينيق العربي من تحت الرماد؟ ذلك السؤال القومي العالق. كتب عمر العمر: