السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 أنهى مجلس الأمن الدولي أمس جلسة مناقشات حاسمة بشأن القضية العراقية قبل أن تتحول إلى سرية، تعمق فيها انقسام المجلس بين مؤيد ومعارض للحرب، بعد ان اظهر الاعضاء البارزون في المجلس المعارضون للحرب رفضهم لاستصدار قرار ثان تريده واشنطن غطاء لحربها على العراق. وفور انتهاء رئيسا المفتشين من عرض تقريريهما اللذين لم يرجحا كفة الحرب أو السلام بدأ وزراء خارجية الدول الأعضاء الذين مثلوا بلادهم في الجلسة بتراشق المواقف السياسية كان أبرزها بين اميركا وفرنسا التي قدم وزير خارجيتها دومينيك دوفيلبان مرافعة سياسية عن المحور الذي يضم أيضا ألمانيا وروسيا والصين المعارض للحرب والمؤيد لاستمرار عمليات التفتيش، وهو المحور الذي تلقى أمس دعماً من الدول العربية التي قررت عقد قمة عربية طارئة ابتداء من 22 فبراير في شرم الشيخ لترميم موقفها من الأزمة العراقية ودعم حلها سلمياً. فقد قدم رئيسا فرق التفتيش هانز بليكس ومحمد البرادعي تقريريهما الى مجلس الأمن واللذين أكدا فيهما ان عمليات التفتيش تساهم فعليا في نزع أسلحة العراق، مشيرين الى تحقيق تقدم في تعاون بغداد مع المفتشين ومطالبين اياها بتعاون أكبر لانهاء عمليات التفتيش خلال فترة قصيرة اذا ما حصل تعاون فوري وناشط وغير مشروط. وشكك بليكس بمعلومات أميركية حول أنشطة محظورة للعراق في تصنيع الاسلحة، واتهمه بانتاج صواريخ يزيد مداها عن 150 كيلومترا التي حددتها قرارات سابقة لمجلس الأمن كما أكد البرادعي ان المفتشين لم يعثروا على أنشطة نووية محظورة، مشيدا بالمرسوم العراقي الذي صدر أمس بحظر انتاج واستيراد مواد تدخل في تصنيع أسلحة الدمار الشامل. وقاد وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دو فيلبان خلال الجلسة هجوما على السياسة الأميركية الذاهبة الى الحرب، ومشيدا بتعاون العراق. وقال الوزير الفرنسي ان الحرب على العراق ليست خيارا الان وان العراق يظهر تقدما فى التعاون مع مفتشى الاسلحة التابعين للامم المتحدة. ودعا الوزير الفرنسى لاستمرار التفتيش.. وقال «ان فرنسا تؤمن بأمرين.. أولا أن خيار التفتيش لم يصل الى نهايته.. ثانيا أن استخدام القوة هو أمر محفوف بالخطر للمنطقة بصورة تجعل اللجوء اليه خيارا أخيرا فحسب». ودعا الى اجتماع آخر لمجلس الامن في 14 مارس المقبل لتقييم الوضع. كما اكدت الصين وروسيا والمانيا ضرورة التوصل الى حل سياسي ازاء مسألة نزع السلاح فى العراق واعربتا عن الثقة في العمل الايجابي الذي تقوم به فرق التفتيش الدولية. وقال وزير الخارجية الروسي ايغور ايفانوف فى كلمة امام مجلس الامن ان المفتشين الدوليين يقومون بعملهم بصورة جيدة مشيرا الى انه تم تحقيق تقدم جوهري ولا يمكن تجاهل تلك الحقائق. ورفض الوزير الروسي مثل دو فيلبان اصدار قرار آخر لمجلس الأمن يجيز الحرب على العراق. وقال وزير الخارجية الصيني تانغ جيوان فى كلمة مماثلة ضمن الكلمات التي ادلى بها ممثلو اعضاء المجلس عقب تقريرين لبليكس والبرادعي ان الاولوية الان هي لاعطاء المفتشين مزيدا من الوقت للاستمرار في اداء مهامهم معتبرا ان نظام التفتيش يحقق نتائج ايجابية. وطالب فى نفس الوقت النظام العراقي بالتعاون الكامل مع المفتشين والاجابة عن بعض الاسئلة التى لاتزال مفتوحة بشأن عدد من ملفات نزع التسلح. ودعا الى ضرورة بذل كل الجهود لتحاشي خيار الحرب مشيرا الى ان العالم كله ينظر الينا وهو يتطلع الى التوصل الى حل سياسي للازمة العراقية الشائكة. وانسجاما مع نفس الموقف قال وزير الخارجية الالماني يوشكا فيشر انه ينبغي ان يحصل مفتشو الاسلحة التابعون للامم المتحدة على الوقت الذي يحتاجونه ليتموا بنجاح عمليات التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل المزعومة. وحقق المفتشون بعض النجاح... فلم يتعين الان ان نوقف عمليات التفتيش.. على العكس يتعين اتاحة الوقت الذي يحتاجه المفتشون ليتموا مهامهم بنجاح». وكرر وزير الخارجية الالماني ايضا تأييد بلاده لاقتراح فرنسا زيادة عدد المفتشين الدوليين في العراق ومواردهم الفنية. أما وزير الخارجية الأميركي كولن باول الذي بدا مصدوماً من كلمات وزراء خارجية فرنسا والصين وروسيا فقد اتهم العراق بالخداع وأنه ليس بامكان مجلس الأمن السماح بأن تتواصل عمليات التفتيش الى ما لا نهاية، معتبرة ان التقدم الذي جاء في تقرير المفتشين ليس جوهريا، قائلا انه حان الوقت لمعاقبة العراق. وقال باول «حتى هذا اليوم لم نحصل على مستوى التعاون الذي توقعناه.. وما كان يؤمل». واضاف «لا يمكننا السماح لهذه العملية بأن تستمر الى ما لا نهاية». وسخر مما يقوله العراق بشأن تعاونه مع المفتشين. ورفض باول مطالبة فرنسا بمضاعفة عدد المفتشين او زيادتهم الى ثلاثة امثال العدد الموجود. واشار الى انه بينما شهد المفتشون بعض التحسن في التعاون العراقي الا انهم «ما زالوا خاضعين للمراقبة.. والتنصت. ما زال ينقصهم حرية الوصول التي يحتاجونها في العراق كي يقوموا بمهامهم خير قيام». لكن باول قال ان بلاده قد تدرس منح مهلة جديدة للعراق للالتزام بنزع أسلحته تصل الى 30 يوما. ومثل باول اكد جاك سترو وزير الخارجية البريطانى ضرورة حدوث «تغيير كامل وفورى فى تصرف الرئيس العراقى صدام حسين لتجنب الحرب». وقال سترو فى كلمته أمام مجلس الامن «نأمل ونؤمن بأنه لا يزال من الممكن التوصل الى تسوية سلمية لهذه الازمة».. مضيفا ان ذلك يتطلب حصول تغير كامل وفورى من جانب الرئيس العراقى. واتهم وزير الخارجية البريطانى العراق بالكذب واخفاء الحقائق وعدم الكشف عن مصير عدة آلاف من الاطنان من الاسلحة الكيماوية علاوة على مادة الانثراكس وغاز الخردل وغاز الاعصاب.. حسب قوله. وفي نهاية جلسة مجلس الأمن العلنية اكد محمد الدورى مندوب العراق الدائم لدى الامم المتحدة ان بلاده مصممة على اتمام عمليات التفتيش والتعاون مع المفتشين. وقال الدورى فى سياق كلمة العراق امام مجلس الامن انه استمع باهتمام بالغ لما جاء في تقريري المفتشين. واوضح ان العراق قبل التعامل مع القرار 1441 على اساس انه الطريق الذى سيؤدي الى حل ما سمى بنزع اسلحة الدمار الشامل العراقية.. مشيرا الى ان العراق قام بعد ثلاث جولات من المفاوضات الفنية مع الامم المتحدة وبعد عودة المفتشين الى العراق بتقديم كل ما فى وسعه ان يصب فى مفهوم تعاون العراق الفعال مع المفتشين. واعتبر البيت الابيض امس ان تقريرا المفتشين لم يعطيا «أي تطمينات بشأن احترام بغداد لشروط نزع اسلحتها». وقال الناطق باسم البيت الابيض للصحافيين «لم يحصل العالم على أي تطمينات من نيويورك في ان صدام حسين اثبت للمفتشين انه ينزع اسلحته. بل على العكس». الا انه اعلن ان الرئيس الأميركي جورج بوش لا يزال يعتبر ان التدخل العسكري لنزع سلاح العراق لا يزال «خياره الاخير» وبأنه لا يزال يأمل بالتمكن من نزع سلاح العراق بشكل سلمي. وكان بوش اكثر وضوحا حين قال انه سيتم نزع سلاح العراق بطريقة او بأخرى. وشدد الرئيس الاميركي ايضا في كلمة القاها في مقر مكتب التحقيقات الفدرالي (اف بي اي) على ان مكافحة الارهاب تتطلب تفكيك تنظيم القاعدة كما تتطلب نزع اسلحة العراق. وقال بوش ان «صدام حسين يشكل خطرا ولذلك سيتم نزع سلاحه بطريقة او بأخرى». واكد ان «هذه الحرب (على الارهاب) يجب ان تقودنا الى ادراك ان الارهاب اكبر من شبكة دولية واحدة وان لهذه الشبكات روابط في بعض الحالات مع انظمة يقودها ديكتاتورات خارجون على القانون. انها المشكلة مع العراق». وفي ظل المعارضة التي تقودها فرنسا للحرب وحالة الانقسام والنشظي في مجلس الأمن تعقد الدول العربية قمة عربية طارئة ابتداء من 22 فبراير الحالي لبحث الأزمة العراقية ودعم جهود الحل السلمي. فقد دعا الرئيس المصري حسني مبارك في تصريح للتلفزيون المصري امس الى عقد قمة عربية طارئة اعتبارا من 22 فبراير الحالي في منتجع شرم الشيخ (على البحر الاحمر شرق مصر). ودعا مبارك الى «عقد قمة عربية استثنائية طارئة لبحث تطورات الازمة العراقية ومحاولة الوصول الى حل سلمي تفاديا لاي عمل عسكري» ضد العراق. واكد الرئيس المصري «ضرورة الاتفاق على رأي للتأثير على صانعي القرار» في اشارة الى الولايات المتحدة واوروبا، مشددا على «اهمية وجود موقف عربي موحد واسماع الصوت العربي للوصول الى حل سلمي». وحذر مبارك الذي كان يتحدث في ختام قمة مع ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة من ان «الحرب سيحدث عنها خسائر كبيرة والعملية العسكرية سيكون لها تأثيرات سلبية جدا ليس على المنطقة وحدها ولكن على العالم». وكان الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى قد أعلن في وقت سابق انه تلقى طلبا مصريا بعقد القمة وانه خاطب الدول الأعضاء التي أعلنت موافقتها على حضور القمة باستثناء ليبيا وفقا لما أعلنه الزعيم الليبي معمر القذافي في حديث تلفزيوني. ومن المقرر ان يعقد وزراء الخارجية العرب غدا الاحد اجتماعا طارئا لبحث الازمة يسبقه اليوم اجتماع تشاوري. ومن المقرر ان يحضر جانبا من الاجتماع وزير الخارجية اليوناني جورج باباندريو الذي ترأس بلاده الدورة الحالية للاتحاد الأوروبي. الوكالات