الثلاثاء 10 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 11 فبراير 2003 بانتظار يوم «الجمعة الحاسم» 14 فبراير الحالي تبدو المعركة السياسية في اروقة المحافل الدولية اشبه بتبادل القصف المدفعي في ميدان المعركة، يعزز فيها كل طرف دفاعاته ويحشد خططه السياسية للوصول بها الى يوم المواجهة الدبلوماسية الكبرى في مجلس الأمن يوم 14 فبراير. بالأمس اظهرت فرنسا التي تقود محور الحل السلمي للأزمة العراقية تصلبا وثباتاً على موقفها مدعومة بألمانيا وبلجيكا بعد ان عرقلت طلبا اميركيا لحلف الناتو بارسال معدات عسكرية الى تركيا لحمايتها خلال الحرب على العراق. واشنطن استقبلت الفيتو الفرنسي داخل الناتو بامتعاض شديد الى الدرجة التي وصفت فيها موقف الدول التي عرقلت الطلب بـ «المنحرف». ويذكر هذا الموقف الذي تتخذه فرنسا لاول مرة في تاريخ عضويتها بالحلف بقرار شارل ديغول الرئيس الفرنسي الاسبق العام 1966 بانسحاب بلاده من الحلف حتى يخرج من تحت السيطرة الاميركية على الحلف. وتدل المؤشرات على ان هذا الانقسام الذي وصفه امين عام حلف الناتو بـ «الخطير» هو مقدمة لانقسام اكبر قد يشهده مجلس الأمن بعد ان يتلقى تقرير المفتشين عن سير عمليات نزع اسلحة العراق يوم 14 فبراير. فرنسا التي قادت «الفيتو» الثلاثي في حلف الناتو لصالح الجهود الدبلوماسية وحل الازمة العراقية سلميا، تؤسس في ذلك لتمرير خططها المقبلة بالتعاون مع المانيا في مجلس الأمن لطرح مبادرتها السلمية يوم 14 فبراير لمواجهة مشروع قرار اميركي يجيز الحرب، ولا يبدو مستبعدا الآن ان تستخدم فرنسا «الفيتو» ضد المشروع الاميركي بقرار الحرب. الفيتو الفرنسي المحتمل لا يبدو مستحيلا الآن بعد الفيتو الاول في حلف الناتو، وكذلك استنادا الى تصريحات المتحدث باسم الخارجية الفرنسية امس الذي قال ان المقترحات الفرنسية للحل هي من صميم قرار مجلس الأمن رقم 1441 وانه لا ضرورة لاي قرار آخر. كما اظهر الرئيس الفرنسي جاك شيراك بعد ان حصل على تأييد روسي لجهود بلاده تصميما وثباتا على المضي حتى النهاية في عرقلة جهود الساعين الى الحرب. صحيح ان جهود المحور الفرنسي لن تمنع الحرب، لأن اميركا اعلنتها صراحة بأنها ذاهبة اليها بقرار او دون قرار، الا انه تعرية للموقف الاميركي الخارج على القانون الدولي وتقليل للنفوذ الاميركي في اوروبا الذي يعبث بمسيرة اتحادها. وسيبقى هذا الموقف علامة فارقة في السياسة الدولية بأن فرنسا انطلقت ودافعت عن القانون الدولي أمام الانتهاكات الأميركية. فرنسا ومعها المانيا مازالتا حتى الآن الجبهة الوحيدة الفاعلة في مواجهة المسار الاميركي، واذا كانت الرسالة وصلت الى واشنطن بأنها لن تأخذ شيكا على بياض للمضي في خططها، فان تلك الرسالة لم تصل بعد الى العالم العربي. المكلف باستلهام هذه المواقف والدفاع عنها والتضامن معها، حتى لا تسجل فرنسا والمانيا شرف المواجهة لوحدهما.