الاحد 8 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 9 فبراير 2003 تحولت الخلافات بين فرنسا والمانيا من جانب والولايات المتحدة من جانب آخر بشأن العراق الى صراع حملات دبلوماسية، حيث اطلقت واشنطن مساعيها لاستصدار قرار ثان يجيز الخيار العسكري بعد مهلة اسبوعين للرئيس العراقي صدام حسين على ان يصدر القرار منتصف الشهر المقبل، في حين بدأ المحور الفرنسي الالماني اعداد خطة بديلة للحرب تقضي بنزع اسلحة العراق بالكامل عبر نشر قوات دولية تابعة للأمم المتحدة، لكن دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الاميركي وصف الموقفين الفرنسي والالماني بأنهما يتعرضان لعزلة دولية مع تزايد التحالف الدولي مع اميركا عرضا مجددا نفي صدام لتجنب الحرب، وفي هذه الاثناء اعلن هانز بليكس كبير المفتشين الدوليين ومحمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة النووية محادثات ماراثونية مع المسئولين العراقيين في بغداد عن اجراء «محادثات جوهرية ومفيدة» وصفاها في وقت سابق بأنها مباحثات «الفرصة المهمة» وليست «الاخيرة». فقد اكد جورج بوش الرئيس الاميركي مجددا امس ان انتهاكات العراق لقرارات الامم المتحدة تشكل خطرا على الولايات المتحدة والعالم وخصوصا لان بغداد قد تزود ارهابيين بأسلحة دمار شامل. وقال بوش في كلمته الاسبوعية التي ينقلها التلفزيون والاذاعة «ان انتهاكات النظام العراقي لقرارات مجلس الامن واضحة وهي خطيرة بالنسبة لاميركا والعالم ولا تزال في صلب الحدث». واضاف بوش «ان احد اكبر المخاطر التي نواجهها هي ان اسلحة دمار شامل قد تنقل الى ارهابيين لن يترددوا في استخدامها». وكرر بوش في تصريحات على اعتاب مبنى وزارة الخزانة بواشنطن انه سيرحب بصدور قرار جديد من الامم المتحدة يؤيد مطالب القرار الذي أصدره مجلس الامن في نوفمبر الماضي والذي يحذر العراق من «عواقب وخيمة» اذا لم يتخل عن اسلحته المزعومة للدمار الشامل. وينفي العراق امتلاكه لمثل هذه الاسلحة. واشار بوش الى ان الرئيس العراقي لم يمتثل لبنود قرار مجلس الامن 1441، موضحا «لقد منح صدام حسين فرصة اخيرة وتركها تمر». وخلص بوش الى القول «ان الولايات المتحدة ومعها تحالف دول يزداد اتساعا، ستتخذ الاجراءات الضرورية للدفاع عن انفسنا ونزع اسلحة النظام العراقي». وبخصوص المساعي الاميركية لاستصدار قرار جديد قال اري فلايشر المتحدث باسم البيت الابيض في مؤتمر صحفي «ان الرئيس سيأخذ وقتا وكذلك اعضاء آخرون في ادارته، للقيام باتصالات دبلوماسية للتوصل مع مجلس الامن الدولي الى قرار يكون جديا وفاعلا ومقبولا وقد بدأت هذه العملية منذ وقت قصير». واشار المتحدث الى ان «الرئيس سيواصل الاسبوع المقبل جهوده الدبلوماسية وسيعقد سلسلة من الاجتماعات ويقوم باتصالات هاتفية وسيجتمع خصوصا الى رئيس الوزراء الاسترالي جون هوارد ورئيس الاكوادور لوتشيو غوتيريز». وقال دبلوماسي بريطاني ان مشروع القرار الجديد المرجح ان يتم التصديق عليه قبل منتصف شهر مارس المقبل وهو التوقيت الذى يتوقع ان يتم فيه شن الحملة العسكرية سوف يصدر بلهجة مخففة من اجل ضمان ان يحظى بالتأييد من جانب الدول الاعضاء فى مجلس الامن حيث انه سينص على ان العراق قد انتهك بصورة مادية القرار السابق والمتعلق بعودة المفتشين الدوليين الى اراضيه. وذكرت وكالة انباء كيودو اليابانية التى اذاعت النبأ ان الولايات المتحدة وبريطانيا كانتا تفكران من قبل فى تحديد مهلة مدتها ستة اسابيع لكى يتم اصدار قرار دولى جديد بشأن العراق غير ان بعض المسئولين فى واشنطن يفكرون الان فى تقليص مدة هذه المهلة الى اسبوعين فقط. وفي الاتجاه المعاكس اعلن ناطق باسم الحكومة الالمانية امس ان الحكومتين الفرنسية والالمانية تدرسان «بدائل سلمية ملموسة» للحرب في العراق مؤكدا بذلك جزئيا معلومات صحافية تحدثت عن «خطة سرية لنزع اسلحة» بغداد. وذكرت مجلة «دير شبيغل» في عددها امس ان باريس وبرلين تعدان «خطة شاملة» كبديل للحرب في العراق للتوصل الى «نزع اسلحة البلاد بالكامل» تقضي واقعيا بسيطرة جنود دوليين (قبعات زرق) على العراق للاشراف على عملية نزع الاسلحة فيه. وردا على سؤال لوكالة فرانس برس اكد الناطق باسم الحكومة ان ثمة «افكارا مشتركة لخيارات سلمية ملموسة بديلة لتسوية النزاع في العراق بالطرق العسكرية». وفي المقابل رفض المتحدث تأكيد تفاصيل اوردتها المجلة مشددا على ان «المحادثات مستمرة». ونقلت «دير شبيغل» عن مسئول في الحكومة الالمانية طلب عدم ذكر اسمه قوله «في حال قبلت هذه الفكرة، فان المانيا ستشارك في اللعبة». واشارت الصحيفة الى ان الرئاسة الفرنسية والمستشارية الالمانية تعملان على هذه الخطة لنزع الاسلحة العراقية منذ مطلع السنة ونقلت الصحيفة عن المستشار الالماني غيرهارد شرويدر قوله في دوائر خاصة «ان نقول ببساطة لا فهذا لم يعد كافيا». واستنادا الى المجلة فان الخطة الفرنسية الالمانية التي قد تعرض كمشروع قرار في مجلس الامن الدولي، تنص خصوصا على انشاء منطقة حظر جوي فوق جميع الاراضي العراقية. وستقوم طائرات ميراج 4 تابعة لسلاح الجو الفرنسي بدعم عمل المفتشين الدوليين الذين سيضاعف عددهم ثلاث مرات. وستعزز مراقبة نظام بغداد عبر اتخاذ سلسلة عقوبات بينها تشديد المراقبة على الصادرات الى الدول الصناعية ومكافحة ناشطة لعمليات تهريب النفط، احدى ابرز مصادر الدخل للعراق. واشارت الصحيفة الالمانية الى ان هذه الخطة الهادفة لنزع الاسلحة العراقية معروضة حاليا لفلاديمير بوتين الرئيس الروسي وهو جينتاو الرئيس الصيني المعين وكوستاس سيميتس رئيس الوزراء اليوناني الذي تتولى بلاده حاليا رئاسة الاتحاد الاوروبي. من جانبها قالت ميشيل اليو ماري وزيرة الدفاع الفرنسية امس ان باريس لم تستبعد ابدا اي عمل عسكري لنزع اسلحة العراق لكن سيتعين ان يكون الملاذ الاخير بعد تكثيف عمليات التفتيش عن الاسلحة التي تقوم بها الامم المتحدة. وتتفق تصريحات اليو ماري مع تصريحات ادلى بها في السابق جاك شيراك الرئيس الفرنسي الذي عارض بشدة اي حرب بقيادة الولايات المتحدة ضد بغداد. وقالت الوزيرة الفرنسية في مؤتمر امني في ميونيخ «اريد ازالة اي غموض، فرنسا لم تستبعد ابدا اي عمل عسكري ضد العراق». لكنها اضافت ان اي استخدام للقوة سيتعين ان يوافق عليه المجتمع الدولي وسيكون «علامة على هزيمة». وفي بغداد اعلن كبير مفتشي الامم المتحدة هانز بليكس انه اجرى «مباحثات جوهرية ومفيدة» مع السلطات العراقية امس في بغداد. وقال بليكس في ختام اربع ساعات من المحادثات في وزارة الخارجية العراقية «لقد اجرينا محادثات جوهرية ومفيدة» وطويلة مع السلطات العراقية، وان المزيد من التفاصيل ستعلن اليوم الاحد. وقال محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية ان المباحثات مع المسئولين العراقيين كانت مفيدة. واكد في ختام جولتين من المباحثات عقدها مع الجانب العراقي اكد ان بغداد زودت مفتشي الامم المتحدة بإيضاحات ومعلومات حول المسائل العالقة في المجالين الكيماوي والبيولوجي وقضيتي استخدام طائرة التجسس الاميركية اليو تو والمقابلات المنفردة للعلماء العراقيين دون حضور ممثلين حكوميين عراقيين. وقال مصدر عراقي لـ «البيان» في العاصمة العراقية ان الجانبين عقدا جولتين من المباحثات كانت الأولى مقتصرة على مستشار الرئاسة العراقية الفريق عامر السعدي وكل من بليكس والبرادعي واستمرت ساعة ونصف الساعة تم خلالها استعراض كافة المسائل العالقة بين الجانبين ، تلتها جولة فنية حيث انضم اليهم الوفدان الفنيان اللذان يمثلان العراق وكلا من لجنة المراقبة والتحقق والتفتيش (الأنموفيك) والوكالة الدولية للطاقة الذرية. وجرت المباحثات خلف ابواب مغلقة في مقر وزارة الخارجية العراقية ببغداد وسط تكتم شديد من المسئولين العراقيين الذين لم يفصحوا عن نتائج ما دار فيها. ومع ان محمد البرادعي بدا متجهما لدى خروجه من الاجتماعات الا ان بليكس وبرغم تواصل جلستي العمل لقرابة خمس ساعات كان يعبر عن ارتياح واضح . واشارت المصادر العراقية الى ان الطرفين حققا تقدما مهما ، لكن البرادعي قال اننا ننتظر مزيداً من التعاون». واكدت مصادر عراقية مطلعة ان اعلانا مشتركا يتم فيه تثبيت جميع النقاط التي تم الاتفاق عليها بين الطرفين سيصدر اليوم الاحد في ختام آخر جولة مباحثات ستعقد بين الطرفين . واشارت المصادر الى ان بغداد ستبدي كل المرونة اللازمة وبما يضمن التطبيق الكامل والدقيق لقرار 1441 ويجيب عن كل الأسئلة التي أثيرت في الاونة الماضية من قبل وبما يشجع المسئولين الدوليين على تقديم تقرير موضوعي ومتوازن الى مجلس الامن في منتصف فبراير الجاري ويضمن نزع فتيل الازمة الدائرة حاليا واسقاط الذرائع الاميركية. وما يعزز هذا الاعتقاد ما ذهب إليه مستشار الرئاسة العراقي عامر السعدي عندما أعرب عن أمله في ان يتم خلال زيارة بليكس والبرادعي حل القضيتين العالقتين وهما قضيتا تحليق طائرة الاستطلاع الأميركية اليو تو وقضية التشريع الجزائي الذي سبق لـ «البيان» ان أشارت إليه قبل أسبوعين والقاضي بأن تصدر بغداد تشريعا قانونيا يلزم الأشخاص العراقيين الطبيعيين منهم والمعنويين بعدم الدخول في ممارسات ذات صلة بأي من الأنشطة المحظورة بموجب القرارات الدولية. وكان البرادعي قد اكد في تصريح صحفي قبيل بدء مباحثاته مع الجانب العراقي ان هذه الفرصة مهمة لكنها لن تكون الاخيرة مشيرا الى وجود فرص اخرى لحل المشاكل العالقة بين الطرفين فيما اكتفى بليكس بالاعراب عن تفاؤله. بغداد ـ كامل عبدالله والوكالات: