الخميس 5 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 6 فبراير 2003 على مدى أكثر من 90 دقيقة ألصق كولن باول وزير الخارجية الاميركي كل ما يمكن حشده من اتهامات بالعراق ورئيسه ونظامه، وفيما يشبه مرافعة الادعاء الختامية خاطب باول مجلس الأمن، مؤكدا ان العراق مازال ينتج الاسلحة الكيماوية والبيولوجية ويتفنن في اخفائها وانه مصمم على تطوير اسلحة نووية وامتلاك برنامج للصواريخ طويلة المدى، وحاول باول جاهدا الربط بين العراق وتنظيم القاعدة، منتهياً الى ان صدام حسين لم يغتنم الفرصة الاخيرة ورفض التعاون الحقيقي مع المفتشين وبالتالي فهو في حالة خرق مادي للقرار رقم 1441، مما يعني عدم السماح له بمهلة لمدة شهور، لكن كل ما ساقه باول معززا بالتسجيلات الصوتية وصور الاقمار الصناعية لم يكن كافيا لاقناع مجلس الامن بأن «صدام تم ضبطه بالجرم المشهود»، حيث اعتبره مراقبون انه تقرير لا يحوي أدلة او اثباتات قاطعة بل يحتاج الى ادلة لاثباته، وطالبت دول الفيتو فرنسا وروسيا والصين على لسان وزراء خارجيتها الذين عقبوا على كلمة باول بضرورة اتاحة الفرصة للخبراء لفحص «معلومات باول» بطريقة مهنية، وان تكون الكلمة الاخيرة للمفتشين ولمجلس الامن مع ضرورة تعزيز نظام التفتيش، لكن بريطانيا التي انفردت كما هو متوقع بالاشادة بخطاب باول اعلنت على لسان توني بلير رئيس وزرائها بأنها مستعدة للمشاركة في غزو العراق دون الحاجة لقرار جديد من الامم المتحدة خوفا من استخدام البعض لـ «فيتو اعتباطي» مؤكدة ان تقرير المفتشين في 14 فبراير الجاري سيكون موعدا حاسما، وردت بغداد على تقرير باول بتحدي كل الاتهامات داعية المفتشين للتحقق من مزاعم واشنطن خاصة بشأن علاقتها بالقاعدة، التي اكدت وثيقة للمخابرات البريطانية انها «علاقة غير موجودة». وفي مداخلته اتهم باول العراق باخفاء اسلحة محظورة واعتماد الخداع مع المفتشين. وخلال هذا الاجتماع التاريخي لمجلس الامن الذي يمكن ان يكون حاسما لجهة تحديد خيار الحرب ضد العراق، اتهم باول النظام العراقي باقامة علاقات مع منظمات ارهابية «منذ عقود» بينها تنظيم القاعدة. وقال ان حوالي «24 من عناصر تنظيم القاعدة يتمركزون في بغداد». وعرض باول تسجيلا لحديث قال انه بين ضابطين عراقيين رفيعي المستوى يتكلمان عن اجلاء معدات. كما عرض على شاشتين ضخمتين صورا مأخوذة بالاقمار الاصطناعية تظهر ان مواقع افرغت من محتوياتها قبل دقائق من وصول مفتشي الامم المتحدة، واعتبر ان نظام بغداد اختار عدم التعاون وعليه ان يدفع الثمن. وعرض شريطاً مسجلاً قال انه بين مسئولين عراقيين قال احدهما «لقد اخلينا كل شيء ولم يبق شيء» متهما طه ياسين رمضان نائب الرئيس العراقي برئاسة ما اسماه بلجنة خداع المفتشين. وقال باول ان العراق عدل تركيبة خزانات الوقود لمقاتلات عراقية من نوع ميراج لنشر غازات سامة او اسلحة جرثومية، كما اتهمه بتوزيع اسلحة بيولوجية على 18 شاحنة، وبأنه هدد علماء بالقتل، وبأنه يملك طاقة على انتاج فيروس الجدري واستخدامه كسلاح بيولوجي. وتابع باول ان صدام حسين «سمح اخيرا لقادته الميدانيين باستخدام اسلحة كيميائية متسائلا لماذا يفعل ذلك طالما انه لا يملك هذا النوع من الاسلحة؟». وقال باول ان «العراق على اعلى المستويات ينتهج سياسة الخداع والتهرب» وانه «لم يبذل اي جهد لنزع سلاحه» ووضع نفسه في وضع يعرضه لأوخم العواقب». واتهم الرئيس العراقي بأنه مصمم على «امتلاك قنبلة نووية». وقال ان العراق يخفي عناصر اساسية في برنامجه المحظور لانتاج اسلحة كيميائية في مبان تابعة لصناعته البتروكيميائية. واعتبر ان صدام حسين الرئيس العراقي لن يتراجع امام شيء الى ان يوقفه احد ما. وانه «لم يغتنم فرصته الاخيرة» وان الولايات المتحدة لن تسمح للعراق بالاستمرار في حيازة اسلحة دمار شامل «لبضعة اشهر اضافية». واتهم باول العراق بانه يستخدم «سجناء محكوما عليهم بالاعدام في اجراء تجارب لاسلحة كيميائية او بيولوجية عليهم». وجلس مدير وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية جورج تينيت وراء باول خلال القائه خطابه. وارسلت 12 من الدول ال15 الاعضاء في مجلس الامن وبينها الدول دائمة العضوية وزراء خارجية الى الاجتماع في حين مثل الدول الثلاث الاخرى، سوريا وغينيا وانغولا، سفراؤها الدائمون لدى الامم المتحدة. كما حضر الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان الاجتماع اضافة الى مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي ورئيس لجنة المراقبة والتحقق والتفتيش (انموفيك) هانز بليكس. ومثل العراق، غير العضو في مجلس الامن حاليا، سفيره الدائم محمد الدوري. ووضعت شاشتان ضخمتان على جدار قاعة مجلس الامن. وشبهت الصحف الاميركية الاجتماع باجتماع اكتوبر 1962، عندما قدمت الولايات المتحدة ادلة على ان الاتحاد السوفييتي ينصب صواريخ في كوبا. وعقب نهاية كلمة باول بدأت التعقيبات حيث اكد وزير الخارجية الصيني ان بلاده مع اتاحة الفرصة للمفتشين لانهاء عملهم في حين اكد ايغور ايفانوف وزير الخارجية الروسي ان بلاده ستدرس معلومات باول بصورة مهنية على يد الخبراء مؤكدا ان المفتشين ينبغي عليهم الحكم على هذه المعلومات خاتما بالقول ان مجلس الامن هو المخول بتقرير كل شيء. واعلن جاك سترو وزير الخارجية البريطاني ان 14 فبراير، الموعد المحدد لتقديم المفتشين الدوليين عن الاسلحة تقريرهم المقبل، سيكون «موعدا حاسما» للعراق. في حين اعلن وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دو فيلبان ان فرنسا تقترح تعزيز عمليات التفتيش عن الاسلحة في العراق وتعرض من اجل ذلك تقديم طائرات مراقبة من طراز «ميراج ـ4». لكنه اضاف ان بلاده لا تستبعد اللجوء الى القوة كحل اخير ضد العراق. وردّ محمد الدوري المندوب العراقي في مجلس الأمن على تقرير باول بالقول ان بلاده تعاونت تماماً مع المفتشين وسمحت لهم بحرية الحركة ولم يعثروا على شيء، مؤكداً خلو بلاده من أسلحة الدمار الشامل بشهادة المفتشين، مطالباً بنزع أسلحة الدمار من الشرق الأوسط بأكمله وخاصة اسرائيل، نافياً أي تعاون بين بلاده وتنظيم القاعدة. وقبيل القاء باول لخطابه وفي سياق نفيه لامتلاك العراق أسلحة دمار شامل، قال طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي «أميركا تستخدم الذريعة (أسلحة الدمار الشامل) لتحويل العراق إلى مستعمرة أنجلو أميركية». ونفى عزيز أيضا أن تكون الحكومة العراقية قد قدمت العلاج في المستشفى لابو موسى زرقاوي، المشتبه في أنه أحد زعماء شبكة القاعدة، كما تزعم واشنطن. وقال عزيز «هذه أول مرة أسمع فيها بهذا الاسم .. هذا الادعاء لا يمكن تصديقه، فلو أردنا تقديم العلاج لاحد أعضاء القاعدة لن ندخله مستشفى وسط مئة مريض آخرين». وأعرب عزيز عن استعداد بغداد للتعاون مع مفتشي الاسلحة الدوليين بالنسبة لثلاث نقاط تناولها كبير المفتشين هانز بليكس بالانتقاد في تقريره الذي رفعه لمجلس الامن في 27 يناير الماضي. وتلك النقاط هي: السماح بطلعات طائرات التجسس يو-2، والسماح للمفتشين بإجراء مقابلات مع العلماء العراقيين على انفراد، وتمرير قانون يحظر الانتاج المستقبلي لاسلحة الدمار الشامل. وقال عزيز ان باول لن يستطيع من خلال براهينه اثبات امتلاك العراق لاسلحة الدمار الشامل وطالب المفتشين الدوليين بالتحقق من صحة براهين باول على ارض الواقع. واضاف عزيز في حديث لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية نشرته امس انه لو كان العراق يمتلك بالفعل اسلحة محظورة لظهر ذلك بكل وضوح كما حدث مع قصة الرؤوس الـ 12 الفارغة. ونفى عزيز الاتهامات الموجهة للعراق بالتجسس على المفتشين الدوليين مشيرا الى انه على العكس من ذلك فان العراق يقدم كل التسهيلات اللازمة للمفتشين لتسهيل مهمتهم والقيام بعملهم على الوجه الامثل رغم ما يتكلفه العراق نظير ذلك. واعتبر عزيز فكرة تخلي صدام عن السلطة والنفي الطوعي مجرد «سيناريو سخيف».
دول «الفيتو» تتحفظ على المعلومات الأميركية وتطلب فحصها واستمرار التفتيش، «أدلة» باول بلا «أدلة»، بلير يتراجع ويؤيد غزواً بلا قرار دولي ومخابراته تنفي صلة العراق ب«القاعدة»
