الاربعاء 4 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 5 فبراير 2003 في ظل التراجع الدولي والعربي الرسمي أمام الضغوط والابتزازات الاميركية، أعادت فرنسا أمس تصليب موقفها المعارض للحرب على العراق بشكل أكثر وضوحاً، ولقنت المبعوث الأميركي ومدير العلاقات العامة للحملة العسكرية توني بلير درساً في العلاقات الدولية بأن «الحرب أسوأ الحلول» وان الحديث عنها هو «آخر الكلام»، وانه لا يمكن تحويل مجلس الأمن الى مجلس حرب ما دامت هناك وسائل سلمية لحل الأزمات. اليوم يظهر الموقف الفرنسي الذي تسانده ألمانيا أكثر وضوحاً بعد انهيار مخجل للموقفين الروسي والتركي الواقعين في دائرة النفوذ الأميركي ليخرج الصوت الفرنسي مدوياً على امتداد الساحة الدولية موجهاً صفعة للسياسات الأميركية والبريطانية. خلال قمته مع بلير الذي أرسله بوش لاقناع فرنسا بالتعاون مع الجهود الأميركية البريطانية لضرب العراق بحجة نزع أسلحته، أكد شيراك على ضرورة افساح المجال أمام عمل المفتشين نزع أسلحة العراق عبر الشرعية التي أقرها مجلس الأمن في قراره رقم 1441، وان هذه الشرعية ما زالت سارية المفعول وصالحة للاستعمال، وان الحاجة لقرار جديد يجيز الحرب غير مبررة، لأن هناك الكثير مما يمكن فعله قبل الذهاب الى هذا الخيار. خلال المؤتمر الصحفي بين شيراك وبلير كانت تصريحات الرجلين مثل حوار بين اثنين، أحدهما عاقل، وآخر تحرّكه هواجس جنون الحرب وغنائمها، ورغم ان الرجلين ينطقان ويعبران عن مصالح بلديهما، إلا ان الاعتبارات الاخلاقية كانت واضحة في تصريحاتهما. وعبّر شيراك بهدوء أعصاب عن موقف بلاده مستنداً الى إرث تاريخي عريق وعلاقات متينة مع العالم العربي، ومسعى فرنسا، وهذا حقها، في قيادة أوروبا نحو تشكيل قطب ثان في عالم اليوم الأميركي. وعلى عكس شيراك ظهر بلير في المؤتمر الصحفي متوتراً وعصبياً بعد فشله في مسعاه الى الدرجة التي دفعت شيراك، ربما لمجاملة ضيفه أو زيادة حنقه، بالقول إنه نادراً ما شهد لقاء ودياً مثل هذا اللقاء، مذكراً سامعيه، ربما بقصد أو دون قصد، يوم نعت بلير بالوقح خلال قمة أوروبية قبل أشهر في موقف مشابه وكأنه يكرر له الكلمة مرة ثانية بطريقة أخرى. ولجأ شيراك الى سياسة الغموض فيما يتعلق بامكانية استخدام حق النقض (الفيتو) ضد قرار يجيز الحرب لأسباب تبدو واضحة، أهمها ارسال اشارة واضحة الى واشنطن ولندن بأن معارضة فرنسا للحرب لا تقف عند اصدار البيانات والتصريحات، بل يمكن ان تذهب الى أبعد من ذلك عبر تحطيم مساعي الذهاب إلى الحرب تحت غطاء الشرعية الدولية. كما ان شيراك بموقفه هذا يعمّق الشرخ الاجرائي بين الموقفين البريطاني والأميركي حول كيفية الذهاب الى الحرب، بعد ان أقنع بلير الرئيس الاميركي بوش بضرورة اصدار قرار من مجلس الأمن يجيز الحرب، فإذا فشلت هذه الجهود وتأكد للولايات المتحدة انها لن تحصل على غالبية تسعة أعضاء في مجلس الأمن اللازمة لاستصدار القرار فإن ذلك يدفع بوش كما سبق وأعلن الذهاب الى الحرب دون قرار دولي، وهو ما يعني عودة المعارضة الروسية ومؤيدي الحرب بقرار دولي إلى ظهور أقوى، ووضع أميركا في موقف الخارج على القانون تماماً كما تصف هي نفسها العراق. هذا الموقف الفرنسي الذي لم يخضع للضغوط واغراءات غنائم الحرب، وبانسجام مع مصالح فرنسا، أعاد الروح للموقف المعارض للحرب في أوروبا، بعد ان أعلنت ثماني دول أوروبية الاسبوع الماضي تأييدها للحرب. لكنه يبقى بحاجة الى دعم عربي أكثر وضوحاً، واعلان مواقف أكثر صراحة في معارضة الحرب، وتشكيل شبكة أمان بالتعاون مع فرنسا ومن يقف في صفها لحماية العراق وشعبه ومقدراته، وتعزيز ذلك عبر قمة عربية طارئة، بدل الحديث عن تقديم موعد القمة الدورية أياماً، فيما الحرب تقرع طبولها على أبواب العراق، واغراء تركيا بمنافع أكبر مما ستحصل عليه من واشنطن، حتى «لا يكون شيراك أكثر عروبة من العرب» إذا أرادت الدول العربية أن تحمي النظام العربي من السقوط مثل «الدومينو». «البيان»