الثلاثاء 13 شوال 1423 هـ الموافق 17 ديسمبر 2002 تقف الولايات المتحدة عند لحظة فريدة في التاريخ الانساني، وذلك في ظل هيمنتها السياسية والاقتصادية والعسكرية. ولكن في غضون 30 عاما من الآن، قد يكون الاقتصاد الصيني، بحجم اقتصادنا او اكبر منه. ويمكن للاقتصاد الهندي ان يكون كذلك، اذا اوقفوا القتال مع باكستان وهدر الأموال على التسلح، واذا واصل الاتحاد الاوروبي، في غضون 30 عاما، توجهه نحو الاتحاد سياسيا واقتصاديا، فانه سيصبح بدوره اكثر تأثيرا على الصعيدين السياسي والاقتصادي. وبالتالي، فإننا نستطيع في عالم يعتمد على بعضه البعض، ان نقود لا ان نهيمن. سيحكم على الولايات المتحدة اعتمادا على كيفية استخدامنا لهذه «اللحظة الساحرة». هل حاولنا قيادة العالم في دخول القرن الحادي والعشرين؟ هل حاولنا اجبار الناس على العيش وفقا لرؤيتنا؟ ام أننا بدلا من ذلك حاولنا من خلال القيادة والقدوة والاقناع بناء عالم سيعاملنا فيه الناس في المستقبل بالطريقة التي نرغب ان نعامل بها بسبب الكيفية التي تصرفنا بها في لحظة سطوتنا؟ قال استاذي السناتور جي. وليام فولبرايت ذات يوم: ان افضل شيء يمكن لاميركا القيام به هو ان تكون «قدوة ذكية للعالم من خلال مساعدتنا المادية بدون تواقح اخلاقي»، وبأن «علينا ان نجعل مجتمعنا انموذجا للسعادة الانسانية، وان نجعل انفسنا اصدقاء للثورة الاجتماعية وان نمضي الى ما هو أبعد من المبادلة البسيطة في جهدنا لترويض العوالم المادية». وقال إنه يفضل ان يرانا «صديقا متعاطفا للانسانية بدلا من ان نكون مدير المدرسة الصارم والمتكبر». والآن، ما هي صلة هذا القول بما يجري اليوم؟ هل يعني ذلك انه ينبغي ان لا يكون لدى اميركا جيش قوي؟ لا. هل يعني ذلك عدم استخدامه ابداً؟ عندما تكون القوة مطلوبة لانقاذ عدد هائل من الارواح؟ لا. ولكنه يعني بأنه يتعين علينا ان نكون متواضعين بما فيه الكفاية لكي نتذكر الحقيقة القائلة انه نادرا ما تكون هناك حلول نهائية في العلاقات الانسانية، وبالتالي، فان الطريقة التي نؤدي بها شيئا ما غالبا ما تكون بنفس اهمية ما نقوم به. وعلينا ان ندرك بأن اعتماديتنا العالمية، وفي الوقت الذي تعتبر شيئا رائعا لأولئك الذين تسمح لهم مواقعهم باستغلالها، فانها لا تزال نعمة ملتبسة في الجانب الاكبر منها. كما ان انفتاحنا على بعضنا البعض في عالم حافل بالانقسامات السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية يزيد من تعرضنا للخطر ويكثف من الألم والعزلة بالنسبة لأولئك الذين يشعرون بأنهم محرومون من نعم الاعتمادية المتبادلة. ففي نهاية المطاف، استغلت القاعدة في 11 سبتمبر الحدود المفتوحة نفسها والتنقل السهل والوصول الى المعلومات والتقنية التي نعتبرها امورا مسلما بها لقتل 3100 شخص من 70 دولة، من بينهم اكثر من 200 مسلم. اذن، السؤال المطروح هنا هو: ما هي مسئولية اميركا في هذه اللحظة من هيمنتنا؟ اعتقد ان مسئوليتها تكمن في بناء عالم يمضي الى ما هو ابعد من الاعتمادية المتبادلة، وصولا الى مجتمع عالمي ذي مسئوليات مشتركة ومزايا مشتركة وقيم مشتركة. ويتعين علينا ان ندعم مؤسسات المجتمع الدولي بدءا بالأمم المتحدة. ان الأمم المتحدة هي منظمة لا تزال في طور الصيرورة ولا تزال ناقصة. ولم نقم دائما بدورنا فيها، ولكنها كل ما لدينا، والآن ونظرا لأننا نعيش في عالم معتمد بصورة متبادلة على بعضه البعض، فانها يجب ان تحظى بدعمنا الكامل في بناء مجتمع دولي متكامل، ويجب ان تكون لدينا استراتيجية امنية سليمة نستخدم فيها قوة اميركا لمنع أعمال من يضمر لنا الأذى ومعاقبته، وعلينا ان نتذكر ايضا القدوة التي ضربها لنا الجنرال جورج. سي. مارشال، وخطة مارشال والسيناتور فولبرايت وبرنامج فولبرايت، وان نعمل على بناء عالم يضم اصدقاء وشركاء اكثر وارهابيين اقل. ذلك هو هدف المساعدات الخارجية وتخفيف الديون ومحاربة الايدز وادخال جميع اطفال العالم الى المدارس. ولا يتعين علينا ان نكون طوباويين جدا في توقعاتنا، ولكن علينا ان نكون طوباويين في قيمنا ورؤيتنا. ومنذ فجر المجتمع الانساني وحتى الوقت الحاضر، ونحن نتعرض لتأثير لعنة دائمة، اي الدافع الالزامي الذي يشعر به الناس ازاء تحديد معاني حياتهم بعبارات ايجابية فيما يتعلق بأولئك الذين يشبهونهم عرقيا او قبليا او ثقافيا او دينيا او سياسياً، وباشارة سلبية الى اولئك الاشخاص المختلفين عنهم، ثم يشعر الناس بأنهم مضطرون لقمع واضطهاد اولئك المختلفين عنهم عندما يكونون قليلي العدد وضعفاء بما فيه الكفاية للحيلولة دون وقوع ذلك الاضطهاد، غير ان الدوائر الاوسع من الاعتمادية المتبادلة قد علمت الناس بشكل متزايد على قبول انسانية اولئك الاشخاص الذين عاملوهم بازدراء في يوم من الايام. وبالتأكيد، فان مسار التاريخ الانساني برمته يمكن النظر اليه باعتباره صراعا مستمرا لتوسيع نطاق تعريف من «نحن» وتضييق نطاق تعريف من «هم» ومنذ فجر التاريخ وحتى سقوط جدار برلين في عام 1989، لم يكن من الممكن حقا بناء مجتمع دولي من التعاون، نمجد فيه تنوعنا، ولا نكتفي بالتسامح معه فقط، على اساس النظرية البسيطة القائلة ان اختلافاتنا تجعل الحياة ممتعة، ولكن انسانيتنا المشتركة تهمنا اكثر. عندما انشئت الأمم المتحدة، لم يكن بالإمكان اقامة مجتمع عالمي بسبب الحرب الباردة، ثم بدأت الصين، في السبعينيات، الاقتراب من باقي دول العالم. وفي عام 1989، سقط جدار برلين، ولذا، فقد كان لدينا 13 عاما فقط للعمل على ايجاد تعابير عملية لحلم انشاء مجتمع متكامل من الأمم. ولتعزيز هذا الهدف، ينبغي ان نعمل مع بلدان اخرى على حظر التجارب النووية وتخفيض الاحتباس الحراري وانشاء محكمة جنائية دولية وتعزيز معاهدة ضد الاسلحة البيولوجية، وانا اشعر بخيبة الامل من قيام الادارة الحالية بالانسحاب من اتفاقيات قائمة في كل من تلك المجالات او عدم قيامها بتعزيزها. وهذا يرسل رسالة خاطئة الى العالم، في وقت نحتاج الى تحالفات اكثر وأقوى لمساعدتنا في استهداف الارهابيين والدفاع عن أمتنا. ولكن على الرغم من هذه الاخفاقات، فانني ما زلت متفائلا، ففي الاعوام الـ 13 الماضية، اصبح الاتحاد الاوروبي موحدا، واثبتت الأمم المتحدة ان لديها قدرة اكبر على التعامل مع المشكلات في البلقان واماكن اخرى، واقتربت روسيا والصين بدرجة أكبر من الغرب وتم تبني «اتفاقية الجمعة الحزينة» في ايرلندا الشمالية، وكان لدينا سبعة اعوام من التقدم نحو السلام في الشرق الاوسط قبل ان يقوم ياسر عرفات برفض اقتراحي الاخير، الذي يتفق الآن على ضرورة موافقة جميع الاطراف عليه، وبدأت الدول الغنية في العالم تبذل المزيد فيما يتعلق بالمبادرة العالمية لتخفيف الديون وزيادة التمويل لمكافحة الايدز. ليس أمامنا خيار سوى ان نتعلم العيش معا، وان نختار التعاون على الصراع وان نعبر عن انسانيتنا المشتركة من خلال اتباع قواعد بسيطة: الكل يستحق فرصة، والكل لديه دور يلعبه، ونحن جميعا يكون اداؤنا افضل عندما نعمل معا، ونحن لسنا مختلفين كما نعتقد. اننا لا نملك حتى الآن المؤسسات لادارة ذلك النوع من العالم. وذلك هو عمل السياسة، وفي ذلك العمل سيكون دائما اختلافات في وجهات النظر، وتضارب في المصالح والقيم، وكما نرى اليوم حتى في التقييم البسيط للأدلة. ولكن، ومع كل ما ذكر، فإنني اعتقد ان العالم يسير في الاتجاه الصحيح، لانه قد اصبح من غير الوارد ان نكون قادرين على حل مشكلات العالم من دون ان نعالجها معا. ويتعين علينا جميعا ان نقوم بدورنا لكي نرى ذلك يحدث بأسرع وقت ممكن. بقلم: بيل كلينتون الرئيس الاميركي السابق _ خاص بـ «البيان» خدمة لوس انجلوس تايمز