الاثنين 5 شوال 1423 هـ الموافق 9 ديسمبر 2002 كما هو متوقع شككت واشنطن ومعها لندن في مدى صدق ملف اسلحة الدمار الشامل العراقي الذي آملت بغداد أن ينال رضا واشنطن لكن الأخيرة وفي مسار معاكس لمساعي التسوية السلمية أعلنت انها وضعت اللمسات الاخيرة على بروفة عسكرية لضرب العراق من خلال مناورة «نظرة من الداخل» الجارية في قطر، مؤكدة على لسان مسئولي البنتاغون ان القوات الاميركية انهت استعداداتها لغزو العراق، وهو الامر الذي تعزز بالكشف عن وجود 60 الف جندي اميركي و 200 طائرة في المنطقة تحضيرا للحرب التي يراها الجميع شبه حتمية. لكن العراق الذي اكد ان ملفه الذي وصل امس الى نيويورك وفيينا لا يتضمن اي عناصر جديدة وتحدى واشنطن ان تكشف عما لديها من معلومات تقول انها تمتلكها بشأن برامجه المحظورة، مؤكدا انه لم يصل الى التجميع النهائي للقنبلة النووية ولم يختبرها وبينما واصل المفتشون عملهم امس ابدت واشنطن سخطها من اعلان هانز بليكس رئيس فريق المفتشين من انه لن يتم اطلاع اعضاء مجلس الأمن على بعض الاجزاء من التقرير العسكري تعتبرها بغداد معلومات حساسة وتخشى من تسربها. وعشية بدء مناورات نظرة من الداخل في قطر والتي تعتبر بروفة عامة لغزو العراق اكدت صحيفة نيويورك تايمز الاميركية ان الولايات المتحدة انفقت اكثر من 100 مليون دولار لاقامة عشرين مركزا مكيفا تتسع لمئات الدبابات والسيارات المدرعة. وصرح مسئولون اميركيون في البنتاغون لصحيفة «نيويورك تايمز» ان القوات الاميركية قادرة على شن هجوم الآن، اذا ارادت، الا انه لابد من ان تؤخذ بالاعتبار حاليا الخطوات الدبلوماسية الجارية، وبينها وجود المفتشين الدوليين عن السلاح في العراق. وفي قاعدة عسكرية بقطر قال الكومندان بيل هريسون، المتحدث باسم القيادة المركزية الاميركية، وهو واحد من الف عسكري يشاركون في التحضير لمناورات (نظرة من الداخل) التي سيشارك فيها الاف آخرون من الجنود خارج قطر «بلغنا المرحلة الاخيرة من التحضيرات». ويبدو قائد القوات الاميركية في الخليج تومي فرانكس ونحو مئتين من مساعديه منهمكين في قاعة كبيرة للمؤتمرات امام شاشة عملاقة طول ضلعها 7.5 امتار في اليوم الثاني والاخير من التحضيرات المسماة «روك دريل». وتحدى العراق الولايات المتحدة أمس ان تظهر للمفتشين الدوليين المعلومات التي تقول انها تمتلكها بشأن برامج التسليح العراقية المحظورة. وقال عامر السعدي مستشار الرئيس العراقي صدام حسين في مؤتمر صحفي عقده في بغداد أمس ان العراق يأمل ان ينال اعلان العراق عما لديه من برامج تسليح رضا الولايات المتحدة لانه حديث ودقيق وشامل وصادق كما هو مطلوب. واضاف انه اذا كان لدى واشنطن ما يتنافى مع ذلك فلتقدمه للوكالة الدولية للطاقة الذرية او لجنة التفتيش التابعة للامم المتحدة مشيرا الى ان بمقدور هؤلاء ان يتحققوا من الامر. وأضاف السعدي ان التقرير لا يتضمن عناصر جديدة حول البرامج البيولوجية العراقية. وقال اللواء عامر السعدي في مؤتمر صحافي في بغداد ان «التقرير في المجال البيولوجي يتناول برنامجا ليس موجودا بعد عام 1991» تاريخ نهاية حرب الخليج وبدء عمليات التفتيش عن الاسلحة العراقية. وسئل السعدي عن مدى التقدم الذي كان العراق حققه في صنع القنبلة النووية فقال ان العراق لم يصل الى التجميع النهائي للقنبلة ولم يختبرها. وقال السعدي ان العراق ارسل الجزء الخاص بالبرنامج النووي الى مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا والوثائق المتصلة بالاسلحة البيولوجية والكيماوية والصواريخ ذاتية الدفع الى مقر المفتشين الدوليين بنيويورك. واضاف ان نسخة من الجزءين ارسلت الى مجلس الامن مرفقة بخطاب وجهه وزير الخارجية ناجي صبري. وتابع السعدي ان خطاب صبري حذر من ان هناك مواد حساسة في الملف الذي يشمل بحوثا وتصميمات لاسلحة الدمار الشامل. وقال ان العراق لم يضمن اي وثيقة جديدة عن برنامجه للتسلح في التقرير لانه «لم يعثر على عنصر جديد»، مضيفاً ان العراق قدم كشفا شاملا عن جميع برامجه في مجال التسلح كما قدم نسخا من التقرير للمفتشين ومجلس الأمن الدولي، مشيرا الى ان 800 موقع في مختلف أنحاء العراق تخضع حاليا للرقابة. وأوضح الفريق السعدى ان من بين المواقع المراقبة جميع المستشفيات العراقية. وقال ان التقرير يشمل تفاصيل تقنية ومالية عن برنامج العراق النووي. وقال الفريق عامر السعدى المسئول العراقي عن ملف الأسلحة ان حكومة بلاده ستوفر للجنة انموفيك والوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن الدولي، في وقت لايتجاوز 30 يوما من تاريخ صدور هذا القرار كشفا كاملا لكل نواحى ومواقع تطوير الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية والصواريخ ذاتية الدفع وأنظمة توصيلها مثل الطائرات غير المأهولة وأنظمة توصيل الأسلحة الأخرى، وقد قدمنا كل ما لدينا ولم نخف شيئا. وكشف النقاب عن ان وزارة الداخلية العراقية دخلت ضمن هذه المواقع لكونها تدير معامل لتصفية المياه والمياه الثقيلة والصرف الصحي التى تتطلب استخدام مادة الفلورين، وعليه فهى تخضع لنظام التفتيش. وتابع يقول : وهناك أيضا صناعات أخرى تستهلك أكثر من 10 ميجاواط من الطاقة الكهربائية تدخل ضمن هذه المراقبة بغض النظر عن أى انتاج تقوم به، وهذا يعنى العشرات من النشاطات الأخرى التى لا علاقة لها بالبرامج المقصودة بالقرار. وأضاف السعدى ان التفتيش يشمل كل المراكز البحثية والمعامل والمصانع الصغيرة التى تعود ملكيتها للقطاع الخاص والتى تستخدم ما يمكن ان يسمى بمواد ذات استخدام مزدوج. وقال دبلوماسي في مجلس الامن انه يتوقع ان تضم 90 في المئة من الوثائق المقدمة معلومات كان العراق قد قدمها في السابق. واضاف ان «العشرة في المئة الباقية هي التي تعنينا». وأبلغ هانز بليكس كبير المفتشيين الدوليين على اسلحة الدمار الشامل لدى العراق أعضاء مجلس الامن الدولي الخمسة عشر بأنه لن يكون بمقدورهم الاطلاع على كافة تفاصيل الملف العراقي حيث سيتم الاحتفاظ بأجزاء خاصة بالتصنيع العسكرى العراقي تعتبرها بغداد معلومات حساسة وتخشى من تسربها. وكشفت صحيفة «ديلي تليغراف» البريطانية في عددها الصادر أمس ان الولايات المتحدث أعربت عن سخطها جراء هذا الموقف من جانب الامم المتحدة حيث اعتبرت ان تلك الاجزاء من التقرير هى الاهم بالنسبة لها حتى تستطيع مقارنتها بالمعلومات الاستخباراتية المتوافرة لديها بشأن سعى بغداد لانتاج وحيازة اسلحة الدمار الشامل الكيماوية والبيولوجية والنووية. وقالت الصحيفة ان واشنطن تعتقد ان الوثيقة العراقية ستكون مبررا لشن عمل عسكرى ضد بغداد حيث انها على يقين من ان العراق سيسعى لاخفاء معلومات رئيسية حول برامجه وان مثل هذا الاجراء سيمثل خرقاً جوهرياً لقرارات الامم المتحدة ويمهد الطريق لشن حرب بقيادة الولايات المتحدة ضد العراق. وكانت طائرة تابعة للأمم المتحدة قد قامت امس بنقل ثلاثة صناديق تحتوي على وثائق الملف العراقي لبرامج التسلح النووي والبيولوجي والكيماوي والصاروخي من بغداد الى لارنكا، حيث استقل فريق طائرة تابعة للخطوط القبرصية اقلتهم الى فرانكفورت متوجهين بصندوقين من الوثائق الى نيويورك لتسليم احدهما الى الأمم المتحدة، والثاني الى لجنة «انموفيك» للتفتيش عن اسلحة العراق، في حين توجه فريق ثان على متن طائرة نمساوية الى فيينا لنقل النسخة الثالثة الى وكالة الطاقة الذرية. وتتضمن الوثائق التى نقلها مفتشون من انموفيك والوكالة الدولية للطاقة الذرية 11 الف صفحة واربعة اقراص ليزرية تضم 12 الف صفحة عن هذا البرنامج . وذكرت مصادر عراقية مطلعة أن العراق اتفق مع انموفيك والوكالة الدولية على آلية تسليم معقدة لمنع وقوع الوثائق الخطيرة فى ايدى الاخرين لانها تتضمن معلومات حساسة جدا عن صناعة الاسلحة العراقية ذات الدمار الشامل . وقبل بدء عملية تحليل ودراسة الملف العراقي شككت جهات استخبارية اميركية في مصداقيته، زاعمة ان لدى واشنطن الادلة الواضحة على امتلاك العراق لبرنامج واسع للاسلحة المحظورة ونقلت شبكة «سي. ان. ان» الاخبارية الاميركية عن مسئولين بالمخابرات المركزية الاميركية الـ «سي. اي. ايه» بأن العلماء العراقيين قاموا بجهود مكثفة خلال الاشهر الماضية لاخفاء المنشآت الكيماوية والبيولوجية . واضافت على لسان مسئول رفيع في الادارة الاميركية قوله ان العراق يحاول تشتيت الانظار بهذا الكم الهائل من الملف المليء بمعلومات وصفها بالمضللة وقال مسئول آخر ان الادارة الاميركية لديها معلومات تؤكد استمرار العراق في تطوير اسلحة الدمار الشامل وسيتم تقديم هذه المعلومات الى فريق المفتشين الدوليين. وفي لندن رأى جاك سترو وزير الخارجية البريطاني ان اكاذيب صدام السابقة تدعو للارتياب، وقال سننتظر لنرى اذا ما كان الملف يدل على ان صدام فهم الرسالة بأن صبر العالم بدأ ينفد ام يتفق مع سلوكه السابق. وأبدت موسكو رد فعل حذر تجاه الملف مؤكدة ان دراسته المعمقة ستستغرق وقتا وهنأت الخارجية الروسية بغداد على تسليمها التقرير للأمم المتحدة معتبرة ان ذلك انصياع عراقي كامل والتزام بالموعد المحدد، وكذلك عبر استمرار التفتيش والتعاون مع المفتشين مما يعني الالتزام بنزع السلاح. وافادت وكالة «ايتار تاس» امس ان وزير الخارجية الروسي ايغور ايفانوف دعا نظيره الاميركي كولن باول في اتصال هاتفي امس الى استخدام «كل الوسائل» السياسية لتسوية مشكلة العراق. ـ الوكالات