الخميس 9 رمضان 1423 هـ الموافق 14 نوفمبر 2002 اعلن العراق امس قبوله لقرار مجلس الامن الدولي رقم 1441 بدون تحفظات أو شروط، وابلغت بغداد الامم المتحدة انها تنتظر عودة المفتشين الذين سيصل فريقهم الأول لبغداد يوم 18 الجاري، وبينما استقبل البيت الابيض الموافقة العراقية بحذر مطالباً بتجسيدها الى افعال رحبت بريطانيا وروسيا والصين ومجلس الامن والجامعة العربية بالخطوة العراقية. ورغم قبول العراق بالقرار الدولي فقد استمرت واشنطن في دق طبول الحرب وتحدثت عن حشد 250 الف جندي لاحتلال العراق ومحاصرة بغداد بـ «الطريقة القديمة» اي عبر قطع الماء والكهرباء عن سكانها حتى تستسلم، وتزامن ذلك مع تحذير اميركي للعراق من مغبة استخدام اسلحة دمار شامل ضد القوات الغازية مؤكدة ان ردها سيكون جدياً أي كما قال خبراء باستخدام الاسلحة النووية. (طالع ص 21) واعلن محمد الدوري مندوب العراق في الامم المتحدة قبول العراق بدون تحفظ قرار مجلس الامن الدولي الذي يطالبه بنزع اسلحته وعودة المفتشين. واوضح الدوري ردا على سؤال للصحافيين انه سلم الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان رسالة تتضمن موافقة حكومته على القرار. وتابع «هذه الرسالة تقول ان العراق يوافق على القرار بدون تحفظ وبدون شروط ويوافق على عودة المفتشين مثلما نص عليه القرار». ووصف الدوري فحوى الرسالة المؤلفة من ست صفحات بأنه «غير مشروط ودون سؤال» وقال «نحن ننتظر ذهاب المفتشين كما هو مقرر. نحن حريصون على قيام المفتشين بأداء مهمتهم وفقا للقانون الدولي». واضاف «هذا جزء من سياستنا وهي حماية بلدنا وحماية شعبنا وحماية منطقتنا ايضا من خطر الحرب الحقيقي». وتحمل الرسالة توقيع وزير الخارجية ناجي صبري. وكان مجلس الامن امهل العراق اسبوعا ينتهي في 15 نوفمبر لقبول القرار والتعهد بالالتزام ببنوده. واعلن ناجي صبري امس ان بغداد سترسل «في موعد لاحق» رسالة ثانية تتضمن «ملاحظات» الحكومة العراقية على القرار 1441 المتعلق بنزع سلاحه. وقال المسئول العراقي «سوف اوضح في هذه الرسالة ملاحظاتنا على الاجراءات والتدابير التي يتضمنها قرار مجلس الامن 1441 والتي تتعارض مع القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة وايضا مع قرارات سابقة ذات صلة لمجلس الامن». واعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية امس في فيينا ان الفريق الاول من المفتشين الدوليين عن الاسلحة سيتوجه الاثنين المقبل الى بغداد. وقالت ميليسا فليمينغ الناطقة باسم الوكالة الدولية «لم يتبدل شيء بالنسبة لنا. فقد خططنا لعملية انتشار قرابة 18 نوفمبر، مستبقين قرار العراق». وستتولى هذه الوكالة التابعة للامم المتحدة عمليات التفتيش في العراق، بالتعاون مع لجنة الامم المتحدة للمراقبة والتحقق والتفتيش (انموفيك). وتابعت الناطقة ان رئيس انموفيك هانس بليكس ورئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي سيتوجهان الاثنين الى بغداد على رأس فريق اول من المفتشين. وقد استقبل البيت الابيض بحذر اعلان العراق امس موافقته على القرار 1441 حول نزع سلاحه، معلنا انه يتعين على بغداد ان تقرن القول بـ «الفعل»، ومؤكدا انه لم يكن امام بغداد خيار غير الموافقة. وقال الناطق باسم البيت الابيض سكوت ماكليلان «اذكركم بأننا سبق وسمعنا هذا الكلام من (الرئيس العراقي) صدام حسين ونظامه، وينبغي الان ان نرى افعالا من صدام حسين». وتابع ان مسألة قبول بغداد او رفضها لقرار الامم المتحدة لم تكن مطروحة. واكد خلال مؤتمر صحافي «لم تطرح ابدا مسألة الموافقة (على القرار) او الرفض». وقال سكوت ماكليلان الذي بدا متشككا من قبول العراق بقرار مجلس الامن ان العراق قدم تعهدات مماثلة في السابق ولم يلتزم بها. واضاف «ان قرار الامم المتحدة ملزم للعراق والنظام العراقي. وما من خيار امام صدام حسين سوى القبول بالقرار». وتابع ماكليلان متحدثا للصحفيين «سمعنا هذا من قبل من صدام حسين والنظام العراقي. والان نحن بحاجة لرؤية ذلك متجسدا في افعال صدام حسين. وما زالت المسئولية ملقاة على عاتق صدام حسين. وهذا خياره». ورحب مجلس الامن الدولي بقرار حكومة العراق ووصفه بأنه «قرار صائب» وأعرب عن امله في ان تنفذه بغداد بصورة كاملة. وقال تشان ايشان مندوب الصين ورئيس مجلس الامن لشهر نوفمبر الحالي في تصريح للصحفيين ان المندوب العراقي في هيئة الامم المتحدة اتصل به هاتفيا صباح امس وابلغه بقرار حكومته. واضاف «انه بعد استلام الرسالة العراقية بالموافقة سيكون لدينا تصور كامل حول الرد العراقي». واشاد جاك سترو وزير الخارجية البريطاني بموافقة العراق امس على قرار مجلس الامن رقم 1441 حول نزع سلاحه، معتبرا انها «خطوة اولى» نحو حل الازمة، لكنه دعا الى البقاء في حالة «تيقظ» لان «نوايا العراق متقلبة». وقال سترو في بيان ان «العراق قام بالخطوة الاولى. وانا احييه. لكن علينا ان نبقى في حالة تيقظ. فمن المعروف ان نوايا العراق متقلبة». واضاف الوزير «علينا ألا ندع اي مجال للشك في ان ادنى عدم احترام من قبل العراق لالتزاماته سيترتب عليه عواقب وخيمة. لان التهديد الحازم بالقوة هو وحده الذي حمل العراق على الذهاب الى هذا الحد البعيد». واشار ايغور ايفانونف وزير الخارجية الروسي بموافقة العراق على القرار حول نزع سلاحه، في مقابلة مع المحطة التلفزيونية الخاصة او.ار.تي. كما حذرت روسيا امس واشنطن من الاستخدام «غير المشروع» للقوة ضد العراق دون الحصول مسبقا على الضوء الاخضر من مجلس الامن الدولي. وقال يوري فيدوتوف نائب وزير الخارجية الروسي للصحافيين ان على واشنطن ان تحترم شروط القرار الدولي رقم 1441 الذي لا يتضمن اللجوء التلقائي الى القوة. ورحب عمرو موسى الامين العام لجامعة الدول العربية بقرار العراق قبول عودة المفتشين الدوليين تنفيذاً لقرار مجلس الامن رقم 1441. واكد موسى اهمية قيام المفتشين بدورهم على اساس مهني كما رحبت الاردن ايضاً بالقرار. في سياق آخر واثر معلومات تناقلتها وسائل اعلام حول قيام العراق بطلب اكثر من مليون جرعة من مادة الاتروبين التي تشكل جرعة مضادة لغاز الخردل من شركة تركية قال كولن باول وزير الخارجية الاميركي في حديث لشبكة ايه بي سي «اعتقد ان الرسالة التي استخدمناها قبل اعوام ...لا تزال جيدة». واضاف «اعتقد انهم يفهمون ان استخدام اسلحة من هذا النوع سيستدعي ردا بالطريقة الاكثر جدية». وقبل اطلاق العمليات العسكرية عام 1991 لطرد القوات العراقية من الكويت، ابلغت حكومة الرئيس جورج بوش الاب بوضوح النظام العراقي ان استخدام اسلحة كيميائية وبيولوجية او نووية ضد القوات الاميركية سيثير ردا عنيفا. ولم تحدد السلطات الاميركية انذاك طبيعة هذا الرد ولكن الفرضية الاوسع انتشارا كانت ان الولايات المتحدة ستستخدم الاسلحة النووية التكتيكية للرد على استخدام بغداد اسلحة الدمار الشامل. ورفض باول الدخول في التفاصيل مشيرا الى ان الجيش الاميركي مستعد لمواجهة اي تهديد ممكن ان يبرز. وقال مسئول كبير في وزارة الخارجية الاميركية في تصريح صحافي ان واشنطن «قلقة» ازاء هذا الطلب الذي يشمل 25،1 مليون جرعة والذي سلم الى الامم المتحدة. واعلن هذا المسئول الذي طلب عدم الكشف عن اسمه ان واشنطن تباحثت في هذا الموضوع مع انقرة موضحا ان طلبات اخرى من نفس المادة قد تسلم الى دول اخرى لم يسمها. وذكرت تركيا أمس انها تجري تحقيقا في التأكيدات الاميركية عن طلب العراق من شركة تركية شراء كميات كبيرة من مادة الاتروبين المضادة لغازات الاعصاب. وقال مصدر رسمي طلب عدم كشف هويته ان «الولايات المتحدة ابلغتنا بهذه المسألة». واضاف «نحقق في الامر ولم نجد شيئا محددا حتى الآن». في هذه الاثناء نفى مسئولو نقابة عمال الصناعات الدوائية والكيماوية التركية امس تلقى شركات الدواء التركية اي طلب من العراق للحصول على كميات من مادة الاتروبين. على صعيد آخر اعلن خبراء ان نشر 250 الف جندي اميركي في العراق طبقا للخطة التي نشرتها وسائل الاعلام الاميركية مؤخراً، هدفه حشد قوات هائلة للسيطرة على بغداد واطاحة الرئيس العراقي في حال مقاومته عمليات التفتيش التي تقوم بها الامم المتحدة. وقال الجنرال المتقاعد وليام اودوم ان «الدرس واضح: اذا تقدمنا بعدد كاف من دبابات «ام-1» فاننا سنخترق القوات العراقية بنجاح، واذا حاولنا بدونها فان الشكوك (في نتائج الحرب) ستزيد بسرعة والمخاطر ستزيد». ورأى الخبراء ان العسكريين الذين كانوا يدافعون عن استخدام القوة الجوية ووحدات برية يتم تجميعها خسروا على ما يبدو بعد مناقشات استمرت شهوراً، امام المؤيدين لقوات برية اكبر من اجل ضمان الانتصار على الارض. من جهة اخرى، ادخلت تحسينات على الاسلحة والذخائر الاميركية منذ 1991 ليصبح بامكان الولايات المتحدة اليوم استخدام القاذفات الخفية «بي-2» والقنابل الموجهة بالاقمار الاصطناعية لتدمير الملاجئ وطائرات بدون طيار مزودة بالصواريخ يمكن ان تحلق لساعات. وبتوجهها الى بغداد انطلاقا من الشمال والجنوب يمكن ان تمارس القوات الاميركية اقصى حد من الضغط على نظام صدام حسين بينما تركز الطائرات الاميركية هجماتها على مراكز الاتصالات والقيادة والقصور الرئاسية وقوات الامن المعادية. وتأمل وزارة الدفاع الاميركية ان تؤدي هذه الاستراتيجية الى انهيار النظام العراقي مما سيسمح بتجنب حرب طاحنة للاستيلاء على بغداد. لكن المتخصصين يرون ان خبراء الشئون الاستراتيجية لا يستطيعون الاعتماد على ذلك وحده. وقال الخبير في معهد بروكينغز في واشنطن مايكل هانلون ان القوات الاميركية ستضطر للسيطرة على بغداد «بالطريقة القديمة» في حال لم يسقط النظام العراقي، معتبرا ان واشنطن لن تنتظر على الارجح وقوع نزاع خطير يسبب خسائر جسيمة في الارواح البشرية. لكن وليام اودوم يرى العكس مشيرا الى ان حصار العاصمة يمكن ان يكون حلا. وقال «كل ما علينا ان نفعله هو الذهاب الى هناك ومحاصرة المدينة وقطع الكهرباء والمياه عنها والانتظار». ـ الوكالات