السبت 4 رمضان 1423 هـ الموافق 9 نوفمبر 2002 تبنى مجلس الأمن الدولي بالاجماع مساء أمس قرار الحرب الأميركي الذي يمنح العراق مهلة أسبوع للتجاوب مع شروط القرار القاسية واتاحة المجال أمام مفتشي الأسلحة الذين سيعودون للعراق في 18 نوفمبر لزيارة أي موقع في البلاد ومنحهم صلاحيات حكومة ثانية في العراق، حيث بإمكانهم إعلان مناطق داخل العراق مناطق محظورة بحراسة قوة دولية. ويحذر مجلس الأمن العراق من ان عدم التعاون مع القرار الذي أسماه بقرار الفرصة الأخيرة فان ذلك يعتبر «خرقاً ملموساً آخر» لقرارات الأمم المتحدة وهو النص الذي تفسره الولايات المتحدة بأنه المبرر القانوني لاعلان الحرب على العراق، وهو ما عبر عنه جورج بوش الرئيس الأميركي صراحة حين حذر صدام حسين الرئيس العراقي قائلاً: «ان أية عرقلة لمفتشي الأسلحة تعني الحرب». وأكد العراق من جانبه ان تلبية مطالب الأمم المتحدة صعب وان القرار يعني نجاح الولايات المتحدة في فرض ارادتها على المجتمع الدولي. وأعلنت كل من روسيا وفرنسا رضاهما عن القرار. فقد وافق مجلس الأمن الدولي في جلسة علنية بالاجماع على القرار 1441 القاضي بارسال مفتشي الاسلحة الى العراق، وتضمن فقرة تنذر العراق باجراءات عقابية اذا رفض الانصياع لعمليات نزع الاسلحة. وصوت مجلس الامن بأغلبية جميع أصوات أعضائه الخمسة عشر بما فيها سوريا لصالح قرار يمنح العراق «فرصة أخيرة» لاغلاق أي برامج لاسلحة نووية أو كيماوية أو بيولوجية، بعد أن اتهم بغداد بانتهاكات خطيرة لقرارات الامم المتحدة السابقة. وحذر القرار بقوله إن المجلس يعتزم الاجتماع مرة أخرى في حال ثبوت خرق العراق للقرار، من أجل بحث اتخاذ عمل آخر. ومع المصادقة على القرار الدولي، يبدأ، عمليا سريان مفعول الجدول الزمني التالي: حتى موعد أقصاه 15 نوفمبر، يلزم العراق باعلان قبوله لشروط الأمم المتحدة والتعهد بتطبيقها، في النصف الثاني من الشهر ذاته ينتظر وصول مفتشي الأسلحة الى بغداد للبدء في عمليات التفتيش الأولية. يلزم العراق حتى 8 ديسمبر نقل تقرير «مفصل، دقيق وشامل» حول جميع برامج تسلحه بأسلحة الدمار الشامل، اضافة الى جميع المواد المدنية التي قد تستخدم لأهداف من هذا القبيل. وسيقوم مفتشو الأسلحة بعد ذلك، بإجراء تفتيشات شاملة أكثر، وحتى موعد أقصاه 21 فبراير سيقدمون تقريراً حول نتائج التفتيش لمجلس الأمن. ويطالب القرار العراق بفتح الطريق أمام مفتشي الأسلحة للوصول الى أي مكان وأي شخص في العراق، بما في ذلك قصور الرئيس العراقي، التي يشتبه بأن العراق يخبيء فيها مواد متعلقة ببرامجه لتطوير أسلحة الدمار الشامل. ويحدد القرار الأميركي بأنه اذا نقل العراق «بلاغات كاذبة أو ناقصة» ورفض التعاون مع مفتشي الأسلحة، سيعتبر هذا التصرف «خرقاً ملموساً آخر» لقرارات الأمم المتحدة. عبارة «خرقاً ملموساً» تفسرها الولايات المتحدة بأنها مبرر قانوني لللبدء في عمل عسكري ضد العراق. ويمنح القرار المفتشين صلاحيات واسعة تعادل أو تتفوق على صلاحيات الحكومة العراقية ذاتها، مثل اعلان مناطق داخل العراق مناطق محظورة حتى يتم تفتيشها واستجواب من يريدون داخل العراق وخارجه. وقالت الناطقة بلسان الوكالة الدولية للطاقة النووية، مليسا فليمينغ، إن طاقم المفتشين الدوليين المسئول عن تفكيك اسلحة الدمار الشامل العراقية، مستعد للعودة الى العراق خلال عشرة أيام. وقالت فليمينغ في تصريحات أدلت بها في فيينا، مساء أمس، «إننا جاهزون للعودة الى العراق فورا وننتظر بدء العمل». وأضافت أن المراقبين لن يرجعوا الى العراق قبل اعلان استعداده لاستقبالهم. كما أعلن رئيس طاقم المفتشين هانس بليكس ان المفتشين سيعودون للعراق خلال أسبوعين في الثامن عشر من الشهر الجاري. وسارع كوفي عنان السكرتير العام للامم المتحدة لحث الحكومة العراقية، «انتهاز الفرصة من أجل شعبها ومن أجل أمن العالم، وبالتالي بداية انهاء عزلة ومعاناة الشعب العراقي». وقال عنان «لكن اذا استمر تحدي العراق، فانه يتحتم على مجلس الامن مواجهة مسئولياته». وحث عنان الدول التي تملك التأثير على العراق على الضغط على بغداد لتنصاع للقرار. ومن جانبه أعلن جورج بوش ان على العراق التعاون سريعا وبدون شروط، والا واجه «اقسى» العواقب، وذلك بعد دقائق على تبني القرار. وأضاف انه ان لم يمتثل العراق للقرار، فسوف تقوم الولايات المتحدة ودول اخرى بنزع سلاحه، مشيرا الى ان اي شكل من اشكال المخالفة لبنود القرار من قبل العراق سيكون خطيرا. وقال الرئيس الاميركي في كلمة القاها في البيت الابيض ان «القرار الذي تمت الموافقة عليه يشكل اختبارا للنظام العراقي وهو الاختبار الاخير. وعلى العراق الآن، ومن دون تأخير او مفاوضات، ان ينزع سلاحه كليا وان يوافق على عمليات التفتيش بكاملها وان يغير جذريا المقاربة التي اعتمدها منذ اكثر من عشر سنوات». واضاف ان «الامم المتحدة كانت على مستوى الزعامة التي نص عليها ميثاقها». واشار بوش الذي ظهر الى جانبه وزير الخارجية كولن باول، الى وجوب السماح للمفتشين الدوليين عن السلاح بالوصول الى «جميع المواقع والوثائق والاشخاص» من اجل انجاز مهمتهم. واضاف ان «العالم اتحد ليقول انه لن يسمح للنظام العراقي الخارج عن القانون بتطوير او حيازة اسلحة كيميائية او بيولوجية او نووية». وتابع «انه قرار الكونغرس الاميركي. وهو قرار مجلس الامن الدولي. ويتحتم على العالم الان الاصرار على ان يطبق هذا القرار». وقال الرئيس الاميركي «يجب على العراق ان يعرف ان لعبة الخداع والتهرب المعتادة التي كانت مقبولة في الماضي لم تعد كذلك اليوم. وان كل عمل يرمي الى التأخير او التحدي سيكون انتهاكا جديدا لالتزامات العراق الدولية واشارة واضحة الى ان العراق تخلى مجددا وبارادته عن احترام» القرارات الدولية. وقال رئيس الحكومة البريطانية توني بلير ان قرار مجلس الامن الدولي يبث رسالة واضحة إلى صدام حسين تقول له ان عليه اطاعة مطالب المجتمع الدولي وتفكيك اسلحته. واضاف بلير: «يتحتم على صدام اقرار وجهته. لن تتواصل الألاعيب ولا الخداع، المواجهة العسكرية مع العراق ليست غير مستبعدة، أما تفكيك اسلحة العراق فنعم». وصرح محمد الدوري سفير العراق لدى الامم المتحدة ان القرار الجديد بشأن اعادة مفتشي الاسلحة الى العراق يفرض الارادة الأميركية على المجتمع الدولي ويحدد مطالب يصعب على العراق الوفاء بها. واضاف الدوري «هذه ارادة الولايات المتحدة تفرضها على باقي العالم». وتابع «انا متشائم جدا. صيغ هذا القرار بأسلوب يمنع المفتشين من العودة للعراق». ولم يذكر الدوري ما اذا كانت بغداد ستقبل القرار. وقال «سنترقب رد الفعل من بغداد». وتوج القرار ثمانية اسابيع من المفاوضات المكثفة حول الصياغة الأميركية. وقال الدوري: بذلت دول اخرى قصارى جهدها.. فعلوا ما بوسعهم.. فرنسا وروسيا وسوريا والصين.. وفي النهاية كان عليهم ان ينظروا لمصالحهم الوطنية الخاصة». ووصف وزير التجارة العراقي محمد مهدي صالح القرار المذكور بأنه يمهد الطريق للعدوان العسكري على بلاده. وقال في تصريح لـ «البيان» في العاصمة العراقية: «ان الادارة الأميركية والحكومة البريطانية لا تريدان باصدارهما هذا القرار استئناف اعمال التفتيش والبحث عن الأسلحة المحظورة المزعومة في العراق، مؤكدا ان هاتين الدولتين تسعيان لتسويغ عدوانهما العسكري على العراق ليس الا». وأكد ان العراق خال من اية اسلحة محظورة بموجب قرارات مجلس الامن ذات الصلة خلافا للادعاءات الأميركية والبريطانية في هذا الشأن. وبانتظار ما ستعلنه بغداد من موقف رسمي بشأن القرار المذكور فان الانطباع السائد هنا وطبقا لاعتقاد المراقبين فان بغداد ستتعامل بشكل ايجابي مع القرار المذكور. وأشادت روسيا بقرار مجلس الامن الجديد حول العراق واصفة اياه بأفضل قرار ممكن في ضوء الظروف المحيطة به. ونسبت وكالة أنباء انترفاكس في موسكو عن نائب وزير الخارجية الروسي يوري فيدوتوف، قوله «في ظل الظروف، يعد القرار الامثل الذي يفسح الطريق أمام تنظيم شامل للوضع في العراق». كما اعتبر جاك شيراك الرئيس الفرنسي ان تبني مجلس الامن بالاجماع القرار يمنح «فرصة لنزع سلاح العراق بسلام»، محذرا العراق من اي تخلف عن واجباته في هذا المجال. وقال شيراك في بيان صدر عن قصر الاليزيه «ان تصويت مجلس الامن بالاجماع على القرار 1441 يعطي فرصة لنزع سلاح العراق بسلام»، مضيفا «هذا كان المغزى من تحرك فرنسا منذ البداية». كذلك حذر الرئيس الفرنسي العراق من اي تخلف عن واجباته في مجال نزع السلاح. وقال ان «رسالة المجموعة الدولية واضحة: فهي متحدة لتقول للعراق ان الوقت حان للتعاون بشكل تام مع الامم المتحدة». واعتبر خافيير سولانا الممثل الاعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي ان القرار يعكس «وحدة وتصميم المجتمع الدولي بكامله» لمواجهة بغداد. وقال سولانا في بيان «ان الرسالة الموجهة إلى بغداد واضحة جدا: ان قرار مجلس الامن يعبر عن وحدة المجتمع الدولي بكامله وتصميمه على تحمل مسئوليته الجماعية». واعتبر سولانا ايضا ان هذا القرار يعكس «بشكل كامل موقف الاتحاد الاوروبي، اي ضرورة التعاطي بشكل حازم مع نزع سلاح العراق والقيام به في اطار مجلس الامن». كما رحبت اسرائيل بالقرار، وصرح ناطق باسم وزارة الخارجية الاسرائيلية مساء أمس ان اسرائيل «ترحب بالتصويت على قرار بشأن نزع سلاح العراق في مجلس الأمن الدولي وبتصريحات الرئيس الاميركي جورج بوش». وقال الناطق ان «اسرائيل تدعم قرار مجلس الأمن بشأن نزع سلاح العراق وتقدر الحزم الذي أبداه الرئيس بوش من أجل التوصل الى اقراره»، رافضاً الادلاء بأي تعليق آخر. ـ الوكالات
إمهال بغداد أسبوعاً وبوش يتوعدها بالضرب وروسيا وفرنسا راضيتان، مجلس الأمن يعتمد قرار الحرب الأميركي، المفتشون يبدأون عملهم 18 نوفمبر بصلاحيات حكومة ثانية في العراق
