الاربعاء 3 شعبان 1423 هـ الموافق 9 أكتوبر 2002 استعاد الجيش السوداني السيطرة على مدينة توريت ثاني اكبر المدن بجنوب البلاد بعد معارك ضد قوات حركة قرنق التي اعترفت بالانسحاب من المدينة «بعد اكبر معركة في تاريخ الحرب طوال سنواتها الـ 19» حسبما وصفت الحركة. وبالتزامن اعلن التجمع الوطني «تحالف في المنفى بين قوى سياسية شمالية معارضة تشكل حركة قرنق عصبها الاساسي» ان قواته اغلقت طريق الخرطوم بورتسودان الحيوي الذي يربط بين العاصمة والميناء الرئيسي على البحر الاحمر. وقال بيان صادر عن الناطق الرسمي باسم الجيش السوداني الفريق محمد بشير سليمان ان القوات المسلحة تمكنت امس بعد معارك ضارية وشرسة استمرت قرابة الاسبوعين من دخول توريت عنوة. وكشف البيان الذي بثته الاذاعة السودانية بعد ان قطعت بثها الاعتيادي ودخلت في برمجة استثنائية اعتمدت على الاناشيد الوطنية والمارشات العسكرية ان الجيش خاض ثلاث معارك فاصلة هي معركة خور انجليز ومعركة خور دليب ومعركة لخباته على التوالي ووصفها بيان الناطق الرسمي بأنها تميزت بشدة القتال وضراوته. واتهم البيان الحركة الشعبية بانها قتلت الاطفال والنساء والشيوخ. وسعت الحكومة امس إلى فرض اجواء احتفالية كبيرة بعودة مدينة توريت التي ادى سقوطها إلى تعليق عملية التسوية السلمية في ماشاكوس الكينية وابتدرت الاذاعة السودانية هذه الاجواء ورود تقارير بالانتقال في بث اذاعي إلى مدينة جوبا حاضرة الاقليم الجنوبي التي شهدت مسيرات عفوية حاشدة طبقاً للوصف الاذاعي الحي فرحاً باستعادة توريت. وشهدت الخرطوم فور اعلان انباء استعادة توريت مظاهرات عفوية طافت بالشوارع مرددة هتافات مؤيدة للجيش وتهلل للانتصار. وخاطب الرئيس السوداني عمر البشير تجمعاً عفوياً احتشد امام القيادة العامة للجيش معلناً بأن وفد الحكومة للمفاوضات سيغادر الخرطوم إلى نيروبي غداً الخميس لبحث امر الهدنة المتفق عليها مع الحركة الشعبية اثناء سير عمليات التفاوض غير ان البشير رفض ان تشمل الهدنة المتوقعة مناطق شرق السودان وقال ان القتال في الشرق يستمر حتى اذا توصل الطرفان لاتفاق حول الهدنة المتوقعة على اعتبار ان شرق السودان لا يعد من المناطق التي تتحدث عنها ايغاد وقال «سنقاتلهم في شرق السودان حتى نطهر كافة الاجزاء التي دنسها المتمردون بالشرق». من ناحيته قال الدكتور مصطفى اسماعيل وزير الخارجية لمسئول حكومي بعد اعلان استعادة توريت بأن الانتصار يمثل رسالة واضحة للحركة بأن ما لم تكسبه بالحوار لن تناله بالقتال. واكد ان تحرير مدينة توريت (75 كيلو شرق مدينة جوبا) تم باقتحام للمدينة لقى خلاله آلاف منسوبي حركة التمرد مصرعهم موزعين في الغابات وطرقات المدينة وفوق وتحت الاشجار مشيراً إلى ان الحركة كانت قد حشدتهم للدفاع عن المدينة. وقال بأن تحرير توريت سيكون فاتحة خير للسلام وفتحاً آخر لدبلوماسية ومصداقية اخرى للسياسة الخارجية للحكومة التي سبق ان اكدت بأن الحكومة لن تحمل الوسطاء تحرير توريت لكنها لن تفاوض في ظل القتال كما انه تأكيد بأن الحكومة حينما قبلت التفاوض قبلته في موقف قناعة وليس ضعفاً بأن الحرب ليست الوسيلة لتحقيق السلام واشترط مصطفى اسماعيل مجدداً العودة للتفاوض باعطاء اجابات واضحة على النقاط التي حددتها الحكومة واقرها المبعوث الكيني الذي قال انه لم يتصل مع الحكومة حتى الآن في هذا الشأن ان كان ذلك عبر مذكرة او اتصال هاتفي وقال ان كل ما علموه في هذا الشأن هو من اجهزة الاعلام. واكد وزير الخارجية ان الحكومة لن تبدل شروطها السابقة التي وضعتها والافكار لاستئناف الحوار من جديد. من جانبها اعترفت حركة قرنق بفقدانها السيطرة على مدينة توريت. وقال الناطق باسم الحركة ياسر عرمان في اتصال هاتفي من اسمرا ان قوات الحركة اكملت انسحاباً منظماً وسحبت كافة معداتها ورجالها من المدينة لان النظام وضع كافة امكاناته في توريت طوال 3 ايام يهاجم بموجات يشرية» وقال عرمان ان خسائر النظام في هذه المعركة هي الاكبر في تاريخ الحرب منذ 19 عاماً. واضاف «من جانبنا يهمنا الهدف النهائي وهو انتزاع حقوقنا وتحقيق اهدافنا وتأمين حياة رجالنا الذين نحتفظ بهم اليوم ليقاتلوا غداً». ومضى يقول «نحن الذين نقرر مكان وزمان المعارك التي نقرر دخولها وفتحها وقواتنا في توريت انجزت مهمتها بالكامل وعندما يحصي النظام خسائره سيتضح له حقيقة ما نقول». وقال عرمان ان الايام الثلاثة الاخيرة شهدت معارك شرسة غير مسبوقة في تاريخ الحرب الاهلية. واضاف: «نحن كنا في حالة الدفاع والنظام يهاجمنا بموجات بشرية واهل النظام يهتمون بالنتائج ولا يهمهم حجم الخسائر البشرية». وقال: استعيد قول الجنرال مورتغ قائد سلاح الجو النازي وهو يصف احدى معاركه بان «النصر فيها كان اسوأ من اي هزيمة». وكشف عرمان من جانب آخر ان قتالا «بدون على محورين في النيل الازرق بينما تظل همشكوريب مستقرة في يدينا». وعلى جبهة الشرق اعلنت القيادة العسكرية الموحدة للتجمع الوطني الديمقراطي السوداني المعارض في بيان مقتضب وزعته بالفاكس انها تمكنت من اغلاق طريق بورتسودان كسلا الخرطوم، وذلك بعد استيلاء قوات التجمع على حامية رساي التي تقع شمالي غربي مدينة همشكوريب وشمالي مدينة كسلا. وقال بيان القيادة العسكرية الموحدة ان قوات التحالف باستيلائها على هذه الحامية الاستراتيجية تكون قد قطعت الطريق تماما بين بورتسودان والعاصمة الخرطوم. ولكن المتحدث باسم الجيش السوداني الفريق محمد بشير سليمان في اتصال مع قناة الجزيرة قال ان «معلوماتنا تشير إلى ان الطريق مستهدف، ولكن آمن حتى الآن»، واعتبر انه حتى لو تم الاستيلاء على هذا الطريق فإن هناك طرقاً بديلة اخرى له. ورفض المتحدث وصف ما يتعرض له الجيش هذه الايام خاصة شرقي البلاد بأنها هزائم وقال ان ما يجرى هو «استغلال لانشغال القوات المسلحة في موقع آخر» في اشارة إلى محاولات الخرطوم استعادة مدينة توريت الاستراتيجية المهمة جنوبي السوداني. وفي منحى متصل نفى الفريق آدم حامد والي ولاية كسلا الحدودية بشدة ان حكومة قوات الحركة الشعبية قد قطعت الطريق القومي بورتسودان الخرطوم وقال حامد في حديث للاذاعة السودانية ان الطريق سالك تماما والحركة فيه تسير سيرها الطبيعي. لكن الوالي اقر بأن معارك شرسة تدور حالياً في منطقة رساي التي تبعد عن الطريق القومي نحو 60 كيلو متراً حسب افادته. الخرطوم ـ أسمرا ـ «البيان»: