الاثنين 23 رجب 1423 هـ الموافق 30 سبتمبر 2002 عمدت حكومة الارهابي ارييل شارون الى مداراة فشلها الذريع واذعانها للضغوط الأميركية بمحاولة خداع جديدة تمثلت في اعادة نشر الدبابات من داخل مقر ياسر عرفات رئيس فلسطين الى محيطه لاعتقال «المطلوبين»، وهو ما اعتبره عرفات الذي خرج محمولا على الاكتاف من مكتبه المدمر تضليلا واستهتارا بقرار مجلس الأمن رقم 1435، فيما عبر جورج بوش الرئيس الاميركي عن ارتياحه لقرار حكومة شارون التي اهتزت على وقع انتقادات اليمين واليسار على حد سواء، اضافة لخلافات داخلية هدد خلالها شيمون بيريز وزير الخارجية بالانسحاب وسط اعتراف بنيامين بن اليعازر وزير الحربية بتسبب الحصار في زيادة شعبية الرئيس الفلسطيني الذي دعا الى التزام ثنائي بوقف اطلاق النار والعودة للمفاوضات، في وقت كان المبعوث الدولي تيري لارسن يتحدث عن بدء الانسحاب الاسرائيلي من رام الله وبقية المدن الفلسطينية حتى حدود ما قبل اندلاع الانتفاضة، لكن هذا التصريح نفته الاحداث بعودة الدبابات مساء امس الى رام الله، واعادة حظر التجول عليها. وخرج عرفات منتصرا مجددا من أزمة تدمير مقره وحصاره حيث اشار بعلامة النصر محمولا على اكتاف حراسه للمئات الذين تجمعوا في ساحة المقر لتحيته على صموده خلال هذه المحنة. واعلن الرئيس الاميركي جورج بوش امس انه «مرتاح جدا» لانسحاب الجيش الاسرائيلي من محيط مقر الرئيس الفلسطيني. وقال المتحدث باسم البيت الابيض غوردون جوندرو «الرئيس مرتاح جدا وهو يدعو الطرفين الى مواجهة مسئولياتهما في السلام والاستقرار واصلاح السلطة الفلسطينية». وكان شارون عقد اجتماعا ثلاثيا مع بيريز وبن اليعازر صباح امس تقرر خلاله سحب نحو 200 دبابة وعربة وآلية من مقر عرفات بعد رسالة مباشرة وحازمة تلقاها من بوش ومستشارته كوندوليزا رايس مفادها «انهوا حصار عرفات فورا فأنتم تعرقلون الاصلاحات الفلسطينية وخططنا تجاه العراق» على ما افادت به الصحف العبرية امس. لكن شارون عمد الى مداراة هذا الرضوخ عبر القول بحسب احد مساعديه لوكالة الاسوشيتدبرس ان جيشه سيعيد انتشاره حول المقر وسيبادر الى اعتقال «المطلوبين» فور خروجهم وان القرار هذا اتخذ حفاظا على العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. وردا على ذلك قال عرفات للصحافيين الذين تمكنوا من دخول مقره «لم يحدث اي انسحاب اطلاقا وهذا يعد التفافا على قرار مجلس الأمن. هذا ليس تنفيذا للقرار 1435 وهذا عبارة عن تزوير وتحايل والتفاف وتلاعب لخداع الرأي العام»، وأكد مجددا «لن نسلم اي فلسطيني لاسرائيل» معتبرا ما حدث امرا «مثيرا للسخرية واستهتارا» بالقرار الدولي. ودعا عرفات في بيان اصدره بعد ساعات من فك حصاره الفصائل الفلسطينية الى الالتزام بوقف «تام» لاطلاق النار، داعيا اسرائيل الى التزام مماثل كما شدد على العودة الى المفاوضات السياسية من اجل تنفيذ قرارات الشرعية الدولية. واكد الرئيس الفلسطيني على ضرورة «التوجه نحو المفاوضات السياسية من اجل تنفيذ قرارات الشرعية الدولية وتوجهات اللجنة الرباعية ورؤية الرئيس (الاميركي جورج) بوش وقرارات القمة العربية في بيروت»، في مارس الماضي. وشدد الرئيس عرفات على «ضرورة تقيد اسرائيل بتنفيذ قرار مجلس الامن 1435 بكامله بما يشمل الانسحاب الكامل غير المشروط من المقاطعة ورام الله والعودة الى الخطوط والمناطق التي كان عليها الاحتلال في 28 سبتمبر 2000». كما اكد الرئيس الفلسطيني على «ضرورة تواجد اللجنة الرباعية الدولية للاشراف على تنفيذ جميع عناصر قرار مجلس الامن الدولي واستعدادنا دائما للقاء والتعاون الكامل معها». وقال ياسر عبدربه وزير الاعلام الفلسطيني من جهته «انه قرار مخادع ومضلل ولن ينطلي على احد لانه ليس سوى مغادرة السجانين الاسرائيليين باب الزنزانة والوقوف على باب السجن واحكام اغلاقه وتشديد الحصار عليه لا اكثر ولا اقل». ونفى وجود أي اتفاق مع الجانب الاسرائيلي حول مصير 20 شخصاً في مقر عرفات تطالب اسرائيل باعتقالهم. وتحدثت مصادر فلسطينية امس عن هروبهم جميعا بعد فك حصار مقر الرئاسة. واوضح وزير الثقافة والاعلام ان «الخطوة الاسرائيلية محاولة مفضوحة للالتفاف على قرار مجلس الامن الدولي 1435 الذي دعا صراحة وبوضوح لا لبس فيه الى الانسحاب الكامل من مقر الرئيس عرفات ومن مدينة رام الله وجميع المدن الفسطينية المحتلة». لكن تيري لارسن مبعوث امين عام الامم المتحدة للمنطقة قال امس نقلا عن «مصادر حكومية اسرائيلية على اعلى مستوى» ان جيش الاحتلال سيبدأ الانسحاب من كامل رام الله اعتبارا من مساء امس (الاحد). واضاف لارسن الذي التقى عرفات امس فور تخفيف حصاره نقلا «عن مصادر حكومية اسرائيلية رفيعة جدا» ان «القوات الاسرائيلية ستنسحب حتى المواقع التي كانت فيها قبل سبتمبر 2000» اي قبل اندلاع الانتفاضة. ورغم هذه التصريحات المتفائلة الا ان الدبابات الاسرائيلية عادت مساء أمس الى رام الله واعادت فرض حظر التجول عليها. ورغم محاولات الخداع الاسرائيلية الا ان حكومة شارون وجدت نفسها بعد هذا القرار في مرمى النار من اليمين واليسار في الدولة العبرية على حد سواء. ففيما احتج نواب الاحزاب والحركات اليهودية المتطرفة على هذه الخطوة مطالبين بقصف مقر عرفات من الجو بدل انهاء حصاره اعتبر يوسي ساريد هذا القرار «تصحيحا لخطأ اساسي» مضيفا ان «عرفات خرج أقوى لأن حكومة اليمين هذه بقراراتها الخرقاء اعادته الى وسط الساحة». وانتقلت الهزة السياسية حتى الى داخل ائتلاف شارون الحكومي نفسه حيث اعترف بنيامين بن اليعازر وزير الحربية بأن قرار حصار عرفات كان «بمثابة ضربة للمسئولين الفلسطينيين المعتدلين وانه يجب الآن استئناف عمليات تهميش عرفات» بحسب الاذاعة العبرية. كما كشفت وسائل الاعلام العبرية امس عن مشادة اندلعت بين شيمون بيريز وشارون هدد خلالها بيريز بالانسحاب من الحكومة. وقال بيريز خلال اللقاء الثلاثي الصباحي «منذ عام ونصف والوضع يزداد سوءا، ليس للحكومة أي هدف ومن غير الواضح الى اين نحن متجهون». وقال انه لم يخطر بباله في الماضي بأنه سيجلس في حكومة تسيطر على كل المناطق الفلسطينية. واضاف: «اعلم ان اتخاذ القرارات في الحكومة يتم وفق رأي الاغلبية، ولكني لست ملزما لأن أكون شريكا لهذه القرارات». وعندما اشار بيريز الى ان العالم كله يقف ضد اسرائيل بادره شارون بسخرية «ان العالم يقف ضدنا دائما» عندئذ رد بيريز بحدة «طالما كان الامر كذلك فربما نخرج من هذا العالم». وذكرت الاذاعة العبرية ان بيريز دخل في مواجهة ايضا مع بن اليعازر حول البؤر الاستيطانية حيث اشار الى اقامة 109 بؤر جديدة في ظل الحكومة الحالية خلافا للاتفاق الائتلافي. لكن بن اليعازر زعم ان غالبية هذه البؤر اقيمت في فترة بنيامين نتانياهو وايهود باراك وان 15 فقط اقيمت في فترة الحكومة الحالية. وفي ظل هذه الأجواء أعربت مصادر فلسطينية عن تخوفها من ان يعمد شارون لغزو قطاع غزة واعادة احتلاله لاستعادة ثقة المجتمع الاسرائيلي المتجه نحو اليمين. وفي هذا الاطار اعلنت اسرائيل أمس الغاء مكاتب الارتباط في قطاع غزة واحتلت مقراتها ونفذت غارات مروحية ترافق مع قصف الدبابات لمناطق في خانيونس ودير البلح وبيت حانون وبيت لاهيا ما اسفر عن اصابة نحو 26 فلسطينيا. غزة ـ رام الله ـ «البيان» والوكالات:
بوش يرحب والرئيس الفلسطيني يدعو لالتزام ثنائي بوقف النار، شارون يلتف على القرار 1435 بتخفيف حصار عرفات، بيريز يهدد بالاستقالة وبن اليعازر يعترف بالفشل
